آية محمد تكتب جاري التحقيق


 

 

جاري التحقيق ..
من أين أبدأ لك سيدي المحقق ؟ .. دعني أبدأ من هنا .. حيث نظراتها الساحرة ، حيث ابتسامتها ورقتها وحنانها وبراءتها ، دعني أبدأ معك مع أول كلمة أحبك ، مع أول لمس ليدها وأول استحياء على ثغرها .. دعني أبدأ معك من التوافق والانسجام الذي كان ولا زال بيننا .. لا زال بيننا .. دعني أبدأ معك من …
أتعلم سيدي المحقق ؟
ما بيننا ليس بعشق .. لا .. إنه شيء .. إنه شيء مثل الإدمان يدفعك إلى جنون وكنت أنا أول المدمنين وآخرهم سيدي المحقق .. كيف لي أن اتحمل أنها من الممكن أن تتركني وترحل ! كيف لي أن احتمل فراقها ! كيف لعيني ألا تتعود على رؤياها .. كيف …

عزيزي المحقق ، أنظر .. أترى هذا ال ( ريموت ) ؟ أتراه ؟ كان هو سبب كل شيء .. سبب كل شيء..

يوم الخامس عشر من يناير 2020م .. كان الذكرى السنوية العاشرة لزواجنا .. كنا معًا نتنزه حول العالم.. وبهذا العقل الغبي قررت أن تكون رحلتنا الأولى إلى الصين .. وبالفعل سيدي المحقق في الحادية عشرة ظهرًا كنا قد وصلنا إلى مطار ووهان ، كانت وقتها تتنقل أخبارًا بوجود فيروس جديد من عائلة ( Corona-Virus ) يهدد العالم .. ولكن أحد لم يعبأ . وهكذا وبعد مرور أسابيع لتواجدنا هنا ،وعند تنقلنا في شوارع الصين واكتشاف هذه البلد الضخمة ، سقطت سلمى أرضًا ..ظلت تهتز بشدة أسفلي .. سلمى ، أقلت لك عزيزي المحقق أن زوجي اسمها سلمى ؟ نعم منذ أن تعرفت إليها وأنا أحب هذا التناغم العجيب بين اسمينا ( سلمى وسالم ) (سالم وسلمى ) أليس بجميل ؟ ..
لم أكن أعلم لمَ سقطتْ فحملتها جريًّا إلى أقرب مستشفى رأيتها أمامي ، الغريب أن جسدها كان باردًا جدًّا ، وهناك .. هناك قال لي الطبيب أنها من أعراض ( COVID-19) وهو الفيروس الذي حدثتك عنه سيدي من قبيل ! وقتها .. وقتها رفضوا أن أقابل سلمى ..
كدت أن أجن .. كيف لي ألا أراها! وكيف لعينيّ أن تتعود على عدم رؤيتها مدة تزيد عن خمس دقائق ! كيف لي أن أعود المنزل وهي ليست معي ! كيف ..
وبعد عدة تحاليل لا أعرف كنهها ، أخبرني الطبيب بأنه ثبت أن الفيروس يتغلغل بين ثنايا جسد سلمى ، ولكنه اخطأ قولًا .. إنه يتغلل بين ثنايا قلبي أنا !
وقتها عزيزي المحقق كان كل ما حولي قد تحول إلى السواد القاتم .. ولا أرى أمامي إلا سلمى .. تتنقل بين الوجوه .. كنت أراها بوجه هذا وهذا وهذه .. كنت لا أسمع إلا حسيس أنفاسها.. كنت أشعر وكأنها تهمس في أذني قائلةً أحبك أحبك لا تتركني ، كنت .. كنت…
.. لم أشعر بعدها بشيء وفتحت عينيّ ببطء لأجد طبيب بمريول أبيض يقف أمامي ، قلت له متوسلًا أنني أريد رؤية سلمى .. ولكنه رفض متحججًا بخوفه من أن اُصاب أنا الآخر ، قلت له أنني سأموت حقًا إذا لم أرها . وهكذا وبعد إلحاح دام الكثير وافقوا لنقلي بغرفة سلمى .. وهناك .. أعلى السرير كانت تنام سلمى بسلام .. أتعلم سيدي المحقق ؟ .. كانت تلك أجمل مرة رأيت سلمى بها ، كانت جميلة جدًّا وكنت اشتاق إليها كثيرًا .. كثيرًا سيدي المحقق.. دخلت إليها .. كان قد قال لي الطبيب ألا اقترب منها ، ولكن من أين لي بالعقل حينها؟ هكذا وجدتها بين أضلعي ووجدت أنفاسي تختلط بأنفاسها ، هكذا عانقتها وهكذا بكينا .. كنا لا نسمع أيًا غيرنا .. همست في أذني قائلةً :” أحبك .. أحبك .. لا تتركني ” .
جذبني أحد الأطباء بعنف ليجلسني على السرير المجاور لها وهو يصرخ بوجهي متفوهًا بحديثٍ لم أسمعه ، بينما تنظر لي سلمى وقد اغرورقت عينيها بالدمع ويتردد بأذني صوتها القائل:” لا تتركني .. أحبك ” .
وبالفعل سيدي المحقق لم أتركها.. لم أتركها أبدًا ولكن هي من تركتني .. هي من تركتني سيدي المحقق بعد أسبوعين فقط من إصابتها.. كانت تتحسن .. كانت تتحسن سيدي المحقق ، ولكن فجأة وفي مساء يوم التاسع والعشرين من يناير 2020م لم تجب عليّ عندما ايقظتها .. لم تجب عزيزي المحقق.. وبعد أن جاء الطبيب وضع الملاءة على وجهها وقال لي أنها .. أنها .. قال لي أنها ماتت سيدي المحقق!
كيف .. كيف .. كيف لي ألا أراها! وكيف لعينيّ أن تتعود على عدم رؤيتها مدة تزيد عن خمس دقائق! كيف لي أن أعود المنزل وهي ليست معي ! كيف .. ..
وهكذا .. هكذا ما شعرت بنفسي إلا وأنا اخنق الطبيب .. خنقته كثيرًا .. خنقته لحد الموت سيدي المحقق! مات الرجل بين يدي وأنا لا أعلم لمَ فعلت هذا ! قررت وقتها الهروب .. يجب أن أهرب .. يجب أن أهرب.. ويجب أيضًا أن أنقذ سلمى ..
سلمى سيدي المحقق كانت عينيّ فأصبحت بعد فراقها كفيفًا ، كانت هي يداي وقدماي فأصبحت بعدها مشلولًا ،كانت هي عقلي فأصبحت مجنونًا ،وكانت .. كانت هي قلبي فأصبحت ميتًا! .. لا يجب .. لا يجب أن تتركني .. لا يجب سيدي المحقق.
وبعد مرور سنة بالضبط من وفاة سلمى وفي يناير 2021 م كانوا قد اخترعوا مصلًا للفيروس ويعالج بنسبة تسعة وتسعين بالمائة ، وكنت أنا أيضًا قد أكملت اختراعي .. نعم سيدي المحقق .. أنا من سرق مصنع الأدوية الذي كان يوجد به الأمصال .. أتسأل ما هو اختراعي ؟ إنه .. إنه آلة الزمن سيدي المحقق.. هذه هي الطريقة الوحيدة التي ستجعلني اتنفس من جديد .. هذه الطريقة الوحيدة التي ستجعلني أرى سلمى وينبض قلبي من جديد ..وهذه هي الطريقة الوحيدة التي ستجعلني أصحح خطأي .. وبهذا الريموت .. حدث كل شيء .
.. (كليك) ..
كنت أجوب عبر الأزمنة .. كنت أسبح وسط غبار كثيف .. كنت اهتز اهتزازًا عنيفًا وكان كل ما حولي يتحرك بشدة ، ظننت لوهلة أن اختراعي قد فشل ولكني أيقنت عدم حدوث هذا حين وجدت جسدي فوق سرير نومي وبجانبي تنام سلمى بسلام ، ما أن رأيتها حتى عانقتها عناقًا حارًا ..كانت تلك أجمل مرة رأيت سلمى بها سيدي المحقق.. فتحت عينيها ونظرت لي بابتسامتها الرقيقة ثم راحت في سبات عميق ، فتحتُ هاتفي لأجد التاريخ هو الخامس عشر من يناير 2020م .. نعم سيدي المحقق الذكرى السنوية العاشرة لزواجنا ، وكان منبهي قد ضُبط على الساعة الثامنة صباحًا .. ميعاد طائرتنا للصين .
لا يا سيدي المحقق .. لا يجب أن أغير شيء بالقدر.. نهضت لأجد صندوق الأدوية أسفل سريري .. ابتسمت ابتسامة انتصار ونظرت لسلمى ثم جلست جانبها ، وعانقتها ..

ابتسمت ابتسامة انتصار ونظرت لسلمى ثم جلست جانبها ، وعانقتها وأنا انظر إلى عينيها مليًّا ؛ لأشبعهما برؤية جمالها .. وما شعرت بنفسي إلا في الثامنة صباحًا .. أذبت قرص الدواء في عصير برتقال ثم أحضرت الفطور حيث سرير سلمى ، وبرفق ايقظتها .. وحرصت أشد الحرص على أن تشرب العصير .. وبالفعل سيدي المحقق في الثانية عشرة ظهرًا كنا قد وصلنا إلى مطار ووهان ، كان وقتها تتنقل أخبارًا بوجود فيروس جديد من عائلة ( Corona-Virus ) يهدد العالم .. ولكن أحد لم يعبأ . وهكذا وبعد مرور أسابيع لتواجدنا هنا ،وعند تنقلنا في شوارع الصين واكتشاف هذه البلد الضخمة سقط رجل أرضًا .. كان يهتز اهتزازًا شديدًا فذهبت إليه وحملته إلى مستشفى ووهان المركزي، وما أن رأيت عينيه حتى علمت أنه هو الطبيب الذي قتلته !
هناك طلبت مقابلة طبيب العيون ( لي وينليانغ) وأخبرته أنني أعرف كل ما حدث له وأنهم اتهموه بترويجه للشائعات الزائفة ، وأنه هو أول من اكتشف الفيروس .. أخبرته أيضًا بمعيتي للمصل الذي سينهي الكابوس قبل أن يبدأ ..وبعد تفكير منه دام أيامًا وافق على مساعدتي لنبدأ في إنتاج أكبر كمية من المصل الذي معي .
وبعد مرور أسبوعين .. وبالتحديد في مساء يوم التاسع والعشرين من يناير 2020 م كنت في حفل تكريم ضخم ، وكانت تعتلي المنصة حسناء تقدمني في كياسة ممجدة بطولاتي ومجهوداتي الباسلة لإنقاذ العالم من خطر كان يداهمه ، وكم أنني بطل في عين الجميع ، ومنقذ البشرية وكل هذا الكلام المعسول الذي لا يمت لي بصلة .بعد مقدمة دامت الكثير أعتليتُ المنصة وسط تصفيق حار من الجميع، وسلمى جالسة في أول صف تنظر لي بعين فخر واضح .. أمسكتُ المذياع وقلت بهدوء :” لا يهمني أن أكون بطلًا عالميًا .. أو دوليًا أو حتى محليًا .. ما يهمني فقط ” نظرت إلى سلمى واستطردتُ قائلًا :” ما يهمني فقط أن أكون بطلًا في عينيّ سلمى .” ارتفع صوت التصفيق كثيرًا سيدي المحقق ثم أعتلتْ سلمى المنصة مسرعةً .. وهنا .. هنا بين أعماق قلبي استقرت .. عانقتني عناقًا حارًا صادقًا .. ولكن كما قلت لك سيدي المحقق.. لا يجب أن أغير شيء بالقدر .. لا يجب .. فببطء أخرجتها من جيبي .. وببطء ركزتها على ظهر سلمى .. وببطء غرستها في جسد سلمى .. نظرت لي بعين سائلةً أن لمَ ! سقطتْ سلمى أرضًا ..ويتهامس حسيسها في أذني قائلًا :” أحبك.. أحبك .. لا تتركني ” .. ظلت تهتز بشدة أسفلي ويتناثر الدم من جسدها الجميل في كل أنحاء المنصة .
سلمى سيدي المحقق كانت عينيّ فاصبحت الآن كفيفًا ، كانت هي يداي وقدماي فاصبحت مشلولًا ،كانت هي عقلي فاصبحت مجنونًا ، كانت .. كانت قلبي فاصبحت الآن ميتًا ! .. لا يجب .. لا يجب أن تتركني .. لا يجب سيدي المحقق .
#جاريالتحقيق..
#آية
محمد

2 Comments

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.