إنچي مطاوع تكتب مضغة قلبي


 

يا من أفسدت مضغة قلبي
يا الله! مر العمر ولم يعُد ابن قلبي الضائع ليلملم شتات روحي ويجبر كسر قلبي وخاطري، لم يعد لأحضاني كي يضمد جراح جسدي المثخن حد الموت في غيابه، مر العمر وشاهدت عبر أعوامه البائسة آلاف الأشخاص، رأيت خلال شهوره العجماء ملائكة تسكن عيون المئات، لمست مع مرور أيامه المكتحلة بالقسوة نجوم السماء مع البعض..
لكن لم يحدث أن قابلت مَن عوَّضني بوجوده الله من فقدته إثر غضبه، لم يرزقني البديل السخي المحتوي لحرماني وفقدي، كما يصبرني عوام المشاعر، ربما لأنني ما زلتُ متسربلة ببيوت عنكبوت تشبكني بطيف كما الشبح يشبهه! لا أدري؛ ربما أيضًا لأنني رفضت طرده خارج مملكة أفكاري، قلبي، روحي، وجسدي..
تلك المضغة أرجوانية اللون داخل صدري تؤلمني، تتعسني، تؤرِّق نومي، فيا رب هوِّن وانزع حزنها، أو أوقفها عن الضخ فتُريح وترتاح، فيؤلمني حد القهر أن عذابها ليس فداء رضاك، ربما لأني ما زلت، كل ليلة، أنتظر حتى ينتصف الليل، أترقب حتى تدق الساعة الثانية عشرة ليلًا، هناك وسط هذه العتمة تبرق عيناي وتلتصق أشعتهما بزجاج الساعة العتيقة المعلقة وسط غرفة معيشتي، تتوحد أذناي مع عقاربها حتى تمر ساعة أخرى، ثم…
تصرخ دقات ساعتي معلنة في سيمفونية حزينة أن الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، ساعة الانطلاق..
أغنِّي وأمنِّي نفسي بكَ، على حافة كلماتك عاد إليَّ بريق حياتي؛ فرقصت كلماتي على أطراف شفتيك، تنهدت فضاعت أنفاسي داخل ظلمتها؛ تشتتت خطواتي وسقطت داخل حضنك، لأغرق في حلم وردي يسكن واقعًا حاضرًا، فدعنا مما هو آتٍ ولنرتوِ مما هو مباح الآن.
ثم تتجرد روحي مما عليها من أسمال الدنيا، تتعرى وتذهب للاستحمام وسط أمواج اللهفة، تغري في طريقها كل ما يمر عليه جسدها الصارخ بجوع الاحتياج، تغتسل بماء ينبوع العشق، فتترنح مخمورة من رشَّات تهبها لقيمات شوق وكسرات من غرام؛ تدهن كل زاوية وانحناءة بزيوت الشغف، تسكب من إبريق اللهفة على خصلاتها بلا حساب..
ترتدي قميصًا من خمائل الرغبة وتتزين بإكسسوارات الاشتياق، تضع مساحيق الحب، ترش عطر الهوى الصاخب على كل ما تراه، ترتوي بشراب يسد عطش الاحتراق وجدًا في الحبيب، تنهي الروح طقوس غواية وفتنة تجتاح كل إلكترون ونواة يكونها.
مرَّ العمر وما زالت طقوسي في بُعدك كما هي، يجيء الليل وتحين الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، ومع دقاتها تستيقظ، تشتعل شمعة فتنتي النائمة على صوت همس أنفاس طيفك داخل أذن صدري، يظهر طيفك ويتراقص أمام عينيَّ فيغويني ويوقظ الفتنة داخل روحي لتتدفق كنهر عبري ندفة ندفة..
تراودك روحي، فيراودني طيفك، أحوم حول حماك فيضيع قيدي الكابح لتعقُّلي معك، أحوم حول حمى قربك فأسقط فريسة رغبة لا تنتهي، في انتهاكٍ أثيرك بقرب حميمي، يا ربي! لماذا يأتي طيفك ليوقظ فتنتي فأراوده عن نفسه فيتركني ويذهب؟! بسببه تمارس طقوس الحنين غوايتها وتثير زوبعة تخنقني، فتغلبني أحيانًا وألجمها أحيانًا أخرى، تفلت مني أحيانًا فتفتنني أكثر لتزأر جاذبة كل ما في ذيلها لنلهو بهوس..
كل ليلة نعيد الكرَّة من جديد، مرات أعلو فوقها وأحيانًا تأخذني لحضيض الرغبة، فتدفع كل الدنيا ثمن خطيئتك وتفدي بروحها بعض إثم حبك الصارخ داخل تكويني وتفتنني بك لتفتن بي!! هل أنا مجنونة لترقبني كل ليلة نفس الطقوس؟ هل أنا من أجذب فتنتك بعربدة في أثناء انتظاري من دون كلل أو ملل؟!
العمر يمر وما زلت تأتيني كل ليلة تفتنني، فأتبخر.. أتحوَّل إلى كمان شارد بين أنين وحنين، أعزف لحن غرام يسحر الليل الماجن، يسرق نجوم السماء ويعيد توزيعها بين المجرات، يغنِّي للكون فيعيد تشكيله.. كمان بعزفه يحولني لحنًا حالمًا في مدارات درب التبانة، فتصل أشعة موجات أوتار بوحي إلى الأرض لتهدي البشر أحلامًا وردية، تتفتح الأزهار وتنمو الرياحين على شرفات المحبين، تبذر أجنة قرنفل، ياسمين، نرجس، زنبق، ورد، وزهور برية تغطي الكون وتزيح القسوة عن قلوب البشر، ترويها عطفًا وحنانًا، تغمرها بود ووئام.
كنا معًا كما يجب على كذبة أبريل أن تكون، واقعًا من ورق، ثم مر أبريل وكذباته، انتهيت أنت غرقًا وحبكَ تمزيقًا وحرقًا، مرَّ العمر يا أشهى من مزج لذة التوت بطعامه الكرز ليذوبا في عذوبة خليج احتل ناصيته أحمر شفتيَّ ليسري في كلي خدر العنب.. وما زلت أحبك.
مرَّ العمر بما يحويه من أيام وليالٍ كثيرة، يا مَن في حضنك يومًا سكنت، نام عداد عمري، هدأت جفون حنيني، اطمأنَّت أيام آمالي، سرحت بعيدًا عنا عادات وتقاليد تهوى الفراق، توالدت أحلامي وعمرت مدائن وقصورًا.. وباقية أنا على حبك.
يا من أمَّنني على غدي وقال: الحضن وعد.. أين ذهب وعدك؟! كل ما كنت أطلبه منك أن تكون رفيق درب لنهاية حياتي، لا حبيبًا أودعه كل ليلة خلف كواليس أحلامي، فلماذا اخترت البعد؟ قلت: الحب وصل وتحضر.
صدقتك.. لكنك لست معي الآن!! أعلم أني صاخبة عابثة أمارس حياتي وكأني بك وبكل الدنيا غير عابئة.. لكن، ألم تعلم من معاشرتي أني صاخبة لأنك على الرغم من بُعدك ما زلت تغمرني، على الرغم من فراقك ما زلت تسكنني، على الرغم من هجرك ما زلت تزرع ورداتك في أرضي كل مساء، على الرغم من التشتت أرقص مزينة أطرافي بخلاخيل لعلي أغوي كل الأرض فتتعب مني وترسلك إلى قربي؛ فنجتمع في رقصة تانجو قاتلة للمسافات؟!
مرَّ العمر وزاد المُرُّ في حياتي، فهيا تعالَ لنمارس طقوسًا بدائية في الوصل، لا تفزع وأخبرني، مَن أخبركَ أن الحب تحضر؟! يا نصفي الهائم وسط ظروف تخنقنا، الحب همجية؛ فتعالَ وكن مثلي همجيًّا، وليكن تحضُّرُنا فقط أن تقرأني ككتاب طلاسم فرعونية للاشتباك داخل تميمة عشق، اقرأني دعاء حماية لأذُوب فيك قبل أن تذوب أنت..
كن بدائي الفرحة متحضر النهايات، واغمرني بوجودك، كن طفلًا وجد أمه بعد اختفاء، لا تكن ضائعًا بين ثنايا وتعاريج ضحكتي كما كنت تشتهي يوم كنا معًا، بل كن أنت ضحكتي المنتشية في القرب، كن ضلعًا يظللني لأكون غضروفًا يقوِّي ظهرك، كن سكينة تملؤني أكن لك سلامًا ونعيمًا، كن بدائيًّا أكن لك حضارة.
يا من رُزقته ذات حزن كفرحة، بدلتُ حبكَ في قلبي بوردٍ أسود، شرايينه تمددت في عمق الجسد، ثم اختلت في مشيتكَ وذهبت لتجلس منتظرًا على صخرة في عمق وادي الصمت، أبله أنتَ.. من قال إن العشق يتبدل بسبب غباء أفعالك؟!
يا سخيف يا بن قلبي؛ هو فقط يتحول لخنجر من أبنوس يذبح في الروح ليل نهار لكنه لا يتبخر، يا من بعمق اشتهائي الفناء فيه، قوة لهفتي في أن أعيش فيه على الرغم من ضعفي، استحالة صمود عزمي وإرادتي لمغادرته، تكذبني حقيقة أنني أكره الفناء، الضعف، العزم، الإرادة؛ كي لا أحرم منكَ.
مرَّ العمر، وتعددت أقنعتي أمام الناس، كي أوقف أحكامهم عليَّ، كي أصادر على ما يمكن أن يخبروني به عنكَ. حبيبي.. صحيح يكسرني الوجع، لكن مع الوقت كان هو سبب قوتي، وسيلة حمايتي مِن غدر مَن يبتسم في وجهي وينوي السوء، يحفظني من قرب غيرك؛ فأنا لا أريد سواك، وها أنا ثابتة على حبك، أتمنى لو أسألك عن حالك، لكنني خائفة من أن يردني سؤالي قبل أن تخذلني أنت بصمتكَ.
مرَّ العمر صديقي.. يا من أفسدت مضغة قلبي، يا من بدلت الصداقة بالحب، على الرغم من قسوتك لك مني سلام وبعضٌ من بوح قلبي وروحي، لم يعد معي بعدك سوى خيال جامح، قيَّدته في كعب قدمي فخلخل وزاد من فتنة بساتيني، أحكمته سوارًا يزين معصمي فتبسم بغواية ليتساقط حولي العشاق، ربطته حول عنقي فتنفس بطفولة وشقاوة وجذب كل الأنظار، لم يبقَ إلا أن أرتدي خيالي هذا ثوبًا فضفاضًا، لكني أخاف أن يفضي بأسرار جسدي لعيون الأرض وأسماع أهل السماء..
صديقي.. ما يُتعبني أن لدي خيالًا جامحًا يأبى الصمت، وصراخه شهد يغري لهفة عشقي لتزيد وتتوسع، خيالًا يشبع جوع الشوق بشوق أكبر، خيالًا يدفئ أنين الشغف برغبة محترقة، خيالًا يزيد ولهي المتعلق بطيف حبيب فارق جداول مدينة العشق، حبيب سكن جوار بساتين الصومال النافقة..
مرَّ العمر.. ولم يعُد مَن ملك الروح، مَن أفسد مضغة قلبي، مَن زرعه عشقًا جامحًا. ذات يوم كنت حبيبة، والآن مجرد بيت خرب.


#إنجي_مطاوع

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.