ليلة الفراق.. شيماء الطرابلسي


أذكر أننا قبل أن نفترق بليلة اتصلت به حينما كان بصحبة رفاقه بالمقهى، لم يرد على الهاتف و لم يعطِ اهتمامًا لي، ولا لاتصالي، انشغل باللهو واللعب والدردشة. لم يكترث لأمري، ولا لسبب اتصالي، ترك الهاتف يرن لمدةٍ طويلة، لم يفكر بي قط، لم يفكر ولو للحظة بحالتي آن ذلك. قلت في نفسي”ربما منشغل بأشياء مهمة” ومالها إلا برهة قليلة من الزمن اذ بي أمام المرآة أنظر لنفسي بالحالة التي أصبحت فيها كانت الدموع تنهمر، كان التفكير يكاد أن يفتك بي، كنت أُحدث نفسي في المرآة بصوت حزين رقيق “هل أنا حقًا لم أكن أعنيه إلى هذا الحد!” ظلت الأسئلة تتضارب داخلي ، مرت الساعات وأنا أنتظر اتصاله أو رسالة منه، ولكنه لم يفعل أي منها. كان يتبادل أطراف الحديث مع الجميع ولم يكترث لأمري، زاد حزني وزاد تفكيري آن ذاك ولكن النعاس كان يغلبني، لقد نمت دون أن أشعر.

نهضت صبيحة اليوم التالي على أمل أن أجد رسالة أو اتصال منه ولكني لم أجد شيئًا، لم أكترث، وكنت أصنع مبررات داخلي. مر يوم كامل دون أن يسأل عن أخباري، وكنت أتصل به طول الوقت، وكعادته لم يكترث لأمري و لم يرد، إذ بها الساعة التاسعة ليلا، أرسلت له رسالة طالبة منه الرد، حتما رد على الهاتف و كان يخاطبني ببرود تام، بينما كان تفكيري على وشك أن يفتك بي و بصحتي، سألته: ما السبب الذي يجعلك لا ترد على رسائلي، أو مكالماتي؟! أخبرني أنه لم يرد أن يحادثني . تعجبت لذلك؛ فنحن لم نتحدث قرابة ثلاثة  أيام. أغلقت الهاتف وجلست برهة قليلة لوحدي، أحسست آن ذاك أن جزءًا مني تحطم كليًا .. رجعت صحبة أهلي، كان وجهي شاحبًا، والتعب يظهر على عينيّ، أمسكت كوب الشاي بتلكيء يدي التي كانت ترتعش، كنت منطفئة على غير عادتي، وكان الجميع ينظرون إلي بنظرة مخيفة و يتسائلون عن سبب كل هذا الألم وكنت أرد ببرود “لا شيء”، كانت ملامحي تُعبّر عن شيءٍ غير مفهوم، صاروا حائرين بأمري؛ فلم يعهدوني من قبل بكل هذا الانطفاء، بينما كانت أحدهم تنظر بعينيّ حينما كانت ممتلئة تكاد تنفحر من الدموع، ابتسمت كعادتي وكأن شيئًا لم يحدث، وضعت كوب الشاي قائلة “حان الآن موعد نومي … تصبحون على خير” كانت خطواتي ثقيلة، دخلت غرفتي وانفحرت بالبكاء، مرت الليالي وأنا على ذاك الحال. ذات ليلة قلت في نفسي :” أهكذا كان جزائي… فقد كنت أُسامح مهما أخطأ وكنت أعود في كل مرة … كنت أترك الأخطاء تمر مرور الكرام، أتحمل تقلب مزاجه واهماله المتكرر. أحاول أن أصمد أمام بروده القاسي، كنت أمنحه الفرصة تلو الاخرى، وكنت أعود في كل مرة أقرر فيها الذهاب، فقد جعلته يفكر في يومٍ أنني لا استطيع العيش من دونه … لسبب حبي الشذيذ له … فقد قدمت له أكثر ما يمككني ان اقدم … كنت انتظره دائما على امل انه سيعود و لاكنه لم يعود ، جعلني يومًا بعد يومٍ أفقد إحساسي تجاهه، صمدت بكل ما أوتيت من قوة أصررت على الاحتفاظ به، ولو تطلب الأمر أن أفقد نفسي، أتعبني ذلك كثيرًا، يقوم باستنزاف طاقتي، تحملت وصبرت، دون أن أشعر بذلك، كان كلما انهار وجدني بجانبه، كنت سنده حين احتاجني، لكنه لم يكترث لأمري و لم أجده بجانبي حينما اردته، يرحل كلما احتجته، لم يكترث للحظات حزني.. كنت وحيدة تمامًا، وفي تلك الاوقات، لم أجده بجانبي، كنت أنطفيء، كنت أنام باكية مثلما فعلت تلك الليلة، كنت أنهار حينها، كان يظن أنني سأصمد كعادتي. كانت أخطائه بسيطة، وكنت أغفر دائما محاولة الاحتفاظ به لا أكثر، أرهقني ذلك كثيرًا، اِنجذبت نحو كل التفاصيل السوداء التافهة، واستسلمت لكل ذاك البرود الذي جعلني أنطفيء إلى هذا الحد. كنت في كل مرة كان عليَّ أن اتركه فيها لا أفعل، تجمع كل ذاك حولي، وكان عليّ المقاومة وبينما كنت أقاوم اِنهار مني الجزء الحسي.

لم يرتكب في حقي ذنبًا عظيما، لم يخني، لكنه جعلني أنغمس وسط التراكمات حتى انطفأت.

ما نفع العلاقة حينما لا تجد الشخص الذي تحبه بجانبك لحظات الشدة؟! ومانفع العلاقة التي تستنفز قوتك وتؤدي بك إلى الظلام؟!

و بعد كل ما قلته في نفسي وقفت أمام المرآة، وقررت بداية طريق جديدة محاولة تجاهل كل ما حدث؛ فلم يعهدوني باِنطفائي ولا بحزني.. جميعهم متعودين بابتسامتي، وحنية قلبي.

سأقاوم

شيماء الطرابلسي

تونس

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.