هناء مطر تكتب جمبولان


#جمبولان

1
صوت طلقات نارية أقلقت مضجعها، صراخ نساء صادر من أفواهن كأنهن تصرخن فوق رأسها؛ فزعت من نومها، انتفضت من سريرها
ركضت بسرعة نحو النافذة المطلة على الشارع العمومي لتشاهد ما بالخارج؟!

مجموعة كبيرة من الرجال يرتدون ثيابا قاتمة، يتحركون كالنمور السوداء، أكثر من خمسين رجلا ويحملون أسلحة نارية يشهرونها لأعلى

يزفون شاب ويحيطون به من الجانبين، في العشرين من عمره، يمشي بخطى وئيدة ويده مقيدة خلف ظهره، يرتدي لباسًا أبيض نسائيا قصيرا جدا، لا يستر عورته كعروس ترتديه لزوجها ليلة عرسها
الدماء تتساقط كقطرات المطر من بين ساقيه، وجهه للأرض مسودا، ملطخ بالطمي، يشعر بالمذلة ويبكي كفتاة فقدت عذريتها

تختبئ النساء خلف ستار النوافذ؛ تشاهدن ما يحدث ؟!
صراخ، زغاريد في الوقت نفسه، لا أحد يفهم شيئا
خيل لها ذلك حينها

صوت الرجال يعلو مهللين:- “زي ماعمل في ابننا عملنا فيه”

مر الموكب من أمام نافذتها مجللا بطلقات نارية ، وضعت يداها على فمها، لتكتم أنفاسها حتى لا يشعرون بوجودها خلف النافذة

ضاقت أنفاسها، كأنها في كابوس والجاثوم فوق روحها وجسدها

مشهد كمشاهد أفلام السينما العربية القديمة وفيلم “شيء من الخوف”

لم تستطع النوم في تلك الليلة، كانت الساعة الحادية عشر والنصف قرب منتصف الليل
طوال الليل تفكر ماذا فعل هذا الشاب ولم يجعلونه يرتدي هكذا؟

كان من الصعب علي ابنة الثالثة عشر استيعاب ما حدث في تلك الليلة
عند باكورة الصباح، أهالي القرية وجدوه مكبلا بسلاسل ،مقيد كالبغل أمام مسجد القرية، ينزف دمًا من كل ذرة في جسده‎

مقيد بحبل في شجرة البامبوزيا والتي يلعب تحتها جميع أطفال القرية ليشاهده الجميع‎

4
في الثلاثين من عمري، تزوجت من أحد أقاربي، يعيش في القاهرة، نشأت بيننا قصة حب حينما كان يزور قريتنا في الاجازات الصيفية
دائما كنت أخبره أنني أتمنى أن يهبني الله إناث ولا أعلم لِمَ؟!
ربما لأن الفتاة تساعد أمها وربما لأنني كنت وحيدة
ربما لأنني أعشق البنات، لطالما تمنيت أن يكون لي أخت تلعب معي ولا تلاعبني، تحدثني ونتشاجر على الألعاب
نتشارك الثياب، تضع لي طلاء الأظافر واحكي لها عن أسراري

في النهاية كانت مشيئة الله؛ رزقني بثلاثة أطفال ذكور

2
في تمام الساعة الثامنة صباحا، أثناء ذهابها للمدرسة، سمعت النساء تتحدثن كعادتهن وهن يقضين أوقات انتظارهن في طابور طويل أمام مخبز القرية والذي تمر من أمامه كل يوم ذهابا وأيابا

تقول إحداهن:-
أول أمس وأثناء حفل زفاف أحد أبناء أهالي القرية قام الشاب بخطف طفل في العاشرة من عمره واعتدى عليه

وبعرض الطفل على الطبيب قال:- أنه تعرض لاغتصاب وهتك عرضه

ورغم أن تلك الحادثة هزت سماء القرية بأكملها إلا أن الليلة إنتهت دون أن ينبس أحد ببنت شفة

5
أثناء فترة حملي الأول، تداعت إلى ذهني شجرة البامبوزيا، يقال أن المرأة الحامل لابد أن تأكل مما اشتمت رائحته أو تذكرته وإلا سيظهر ذلك في جسد الجنين كعلامة ستلازمه طوال حياته

كثيرا كنت أشاهد في وجوه بعض الناس علامة حمراء تحمر فترة نضوج الفراولة مثلا وحينما اسأل يقال :- أصل ماما اتوحمت فيا على فراولة
وأخرى سمراء على هيئة كبد الجمل
أتذكر جيدا حينما كنت في عربة السيدات لإحدى قطارات المترو
فتاة في العشرين من عمرها وبطنها منتفخة جدا “حامل في شهورها الأخيرة” كما يبدو عليها
ظلت تتتبع رائحة طعام في العربة “محشي” ككلب بوليسي حتى وصلت لنهاية العربة ووجدت أم تطعم أطفالها فجلست وشاركتهم في الطعام
وحينها، ضحك الجميع ولكنها قالت:- يعني الواد يطلع في وشه صباع محشي؟!

تذكرت البامبوزيا “الجمبولان” عرفت اسمها حينما بحثت عنها على جوجل

كيف أحصل على البامبوزيا ومن أين؟!
لأنني أعلم أن شجرة البامبوزيا الوحيدة التي كانت في القرية منذ سنوات عديدة قد قُطعت، لا أتذكر متى بالتحديد ولكنها غير موجودة الآن

حينما أخبرت زوجي أنني أريد بامبوزيا ضحك وقال:- الستات كلها بتتوحم على حاجة معروفة أنتي بتتوحمي على المستحيلات
اجيبلك بامبوزيا منين أنا دلوقت؟! ومحدش يعرفها أكيد.. يابنتي إحنا في القاهرة مش في قريتك في الريف

حينما وضعته ظللت أفتش في جسده وظل زوجي يضحك ويقول:- أنتي بتصدقي في الحاجات دي يابنتي.. سليم اهوة وحمدلله على سلامتكم

بعد ثلاث سنوات أنجبت الثاني ولكن بعد ولادته بستة أشهر حملت في الثالث وتذكرت البامبوزيا مرة أخرى فضحكت

كبر أطفالي أمام عيني وكأنهم قطعة من فلذة كبدي تسير على الأرض أمامي، كلما رأيتهم من بعيد؛ يقفز قلبي مني ويسبقني إليهم بعشر خطوات ليحتصنهم

حينما يلعبون في الشارع
أظل مختبئة خلف النافذة أراقبهم خوفا من أن يتحرش بهم أحد

6
ابني الأكبر الآن في الصف الأول الإعدادي ونحن أصدقاء يحكي كل شيء لي، لقد ربيتهم على ذلك
حينما يعود من مدرسته يلقي بحقيبته على الأرض، يركض نحو المطبخ؛ يحتضني
ولكن ذات يوم رمادي، عاد أبني الأكبر من مدرسته صامتًا
تحدثت معه كثيرا
ماذا حدث؟!
ظل يبكي وبخجل يقول :- لا شيء

ماذا حدث؟!

نظر للأرض وقال:- ولد معي بالفصل تحرش بجسدي
اكتنفني شعور من الصعب أن أترجمه إلى كلمات؛ احتضنته فقط
وقبل خلوده للنوم قلت له:- بكره هنروح المدرسة سوا ووريني اللي عمل معاك كده

لم تذق عيني طعم النوم ليلتها ومرارة الدنيا كانت عالقة في حلقي
انتظرته حتى يستيقظ من نومه لأحتضنه وأعدت الفطور المعتاد لزوجي فول،طعمية،سلطة،جرجير أخضر ،خبز وشاي
حضرت للجميع حقائبهم ككل يوم واللانش بوكس “صندوق الطعام”
ثم ذهبت مع ابني إلي مدرسته

قابلت الأخصائي الإجتماعي، قصصت له كل شيء
فاستدعى الولد إلي مكتبه للمواجهة مع ابني

حينما رأيته؛ شعرت ببركان يثور داخلي
تذكرت الجمبولان،الشاب،الرجال،ضرب النار ،القميص الأبيض ولم أشعر بنفسي سوى بيدي تلتف حول عنقه وأنا أردد :- إلا ابني
انقذه الأخصائي وجميع المعلمون في المدرسة، حرروه من قبضتي وخلصوه من براثني

قام الأخصائي بعمل محضر واستدعاء ولي أمر الطالب للمدرسة
وتم الصلح داخل المدرسة ولم يصل الأمر للنيابة

عدتُ إلى البيت، طفلي في أحضاني ولكنني مازالت ثائرة
وبداخلي بركان لا يهدأ

3
ذات ليلة جمعة كعادتها كانت تشاهد على التلفاز فيلم عربي قديم مقتبس من فيلم” قطة على صفيح ساخن” بطولة بوسي ونور الشريف
لم تفهم وقتها سبب انتحار صديقه؛ علقت أحداث الفيلم بذاكرتها

علمت بعد ذلك من صديقتها في الجامعة أثناء حديثهما عن الفيلم إنه كان يعمل أعمال قوم لوط

ماذا؟!
قوم لوط؟!

قوم لوط هل عادوا؟
وهل كانوا انقرضوا؟

تذكرت البغل، الدم المسال، أحاديث النسوة، طلقات النار، رغم مرور أكثر من ثمان سنوات على تلك الحادثة، لكنها نُقشت في ذاكرتها، لم تنساها قط ولن تمحى أبدا

7
ذات صباح يوم ثلاثاء شؤم، تسللت خلف ابني وتوجهت لمدرسته كنمر ينتظر قدوم فريسته لينقض عليها
انتظرته أمام بوابة المدرسة، حينما رأيت صديق ابني تمالكت نفسي وقلت له:- تعالى نشتري هدية عشان تصالح ابني ومتعملش كده تاني

ركب سيارتي، بسرعة البرق أخذته للصحراء ومعي قميص نومي الأبيض

قلت له:- اخلع ثيابك و ارتديه

ظل يبكي

قلت:- ارني رجولتك الآن
ظل يذرف دموع التوسل

قلت وفي يدي ساطور:- سأقطع عضوك وأجعلك كالإناث إن كررتها مرة أخرى معه أو مع غيره

وإياك أن تخبر أحدا من أفراد عائلتك، سأمزق جسدك وألقي به للكلاب والقطط في الشارع

سظل يبكي، يتوسل إلي، أبتلت ثيابه من أسفله؛
ظننتُ أنني أحسنت صنعا؛ شعرت بهدوء بركاني بعدها، لكنه لم يدم طويلًا

تأثرت بكلماته؛ تركته يعود إلى أحضان أمه هو الآخر ، ففي النهاية أنا أيضا أم وهو طفل لا يستطيع الدفاع عن نفسه

حينما عدتُ إلى بيتي، أدركت أنني أخطأت، شعرتُ بالخزي، فكرت أن أهرع لقصّ ما فعلتُ على زوجي ولكنني ظللت أردد بيني وبين نفسي

” هذا ليس عدلًا، لست راضية عما فعلتُ، أعلم جيدًا أنني مذنبة، قاسية ،نُزعت الرحمة من قلبي ولكنني أخاف جدا على أطفالي
لا أحب أن يمسهم أحدا بسوء، من يقترب منهم بسوء؛ سأمزق جسده بأنيابي”

8

بعد مرور سويعات من عودتي إلى البيت، هدأت نفسي،أعددتُ وجبة الغداء، دجاج ،صينية بطاطس، أرز وسلطة
وحينما عاد زوجي من عمله ظل يحدق في وجهي ولكنني لم أجرؤ على رفع بصري نحوه
لم يحل الصمت بيننا طويلًا
ثم قال:- ما بكِ؟!
قلت:- لاشيء
ارتعشت يدي؛ سقط الطعام منها، ثم انفجرت في البكاء وألقيت بنفسي بين أحضانه
ظل يربت على كتفي ويقول:- ماذا حدث؟!
قلت:- احتضني..أنا خائفة جدا
ثم تحدث إلي كما لو كنت ابنته
قال:- لا تخافي، أنا هنا بجانبك

أخذني من يدي إلى غرفة نومي وقال:- خذي قسطا من الراحة، اليوم نحن جميعا في خدمتك

وضعت رأسي على الوسادة، حاولت أن أغمض عيني قليلا؛ هاجمني بكاء الطفل

انتفضت الطفلة ذات الثالثة عشر من عمرها بداخلي، ظلت تصرخ بلا صوت حتى لا يسمعها زوجي “هذا ليس عدلا، مازال طفلا، كيف لي أن أعيش بهذا الذنب؟!”

في المساء، فتح زوجي الباب؛ ليطمئن على حالتي، اقترب مني وعانقني وقَبلَ رأسي بعدما قال:-

لا تخافي أنا معك

أخبرته أنني رأيت حلما مزعجا له ولأطفالي وكانت هذه المرة الأولى التي أكذب فيها عليه

وفي اليوم التالي، ذهبتُ إلى مدرسة ابني؛ ليطمئن قلبي عليه وعلى زميله في الدراسة
وفوجئت بغياب زميله بل صدمتُ؛ تكررت زيارتي للمدرسة يوما بعد يوم، الطفل مازال غائبا، ماز لت أشعر جدا بالذنب، لا أستطيع النوم

لا أعلم ماذا أفعل؟!
أأخبر زوجي؟!
أم أخبر الأخصائي الإجتماعي؟!
أأذهب إلى أهل الطفل لطلب السماح؟!
ومن يبرأ ما فعلت أمام محكمة ضميري والتي تقام كل ليلة وتجلدني مئة جلدة في الدقيقة

داخل قفص الإتهام، تقف الطفلة ذات الثالثة عشر عاما على يميني، تصرخ، تبكي، أنا واقفة في المنتصف بينها وبين روحي، أنظر إلى أبنائي وزوجي، وعلى اليسار روحي تجلد بجواري

يعتلي ضميري منصة القاضي، المذنب،الضحية،الدفاع عن الطفل، الشاهد الوحيد على جريمتي، جميعهم أنا

لقد تعبت، روحي لم تعد تتحمل كل هذا الجلد، من يبرأ فعلتي هذه؟!؛ يحرر عنقي من أحبال هذا الذنب والتي تلتف حوله كل يوم.

#هناء_مطر

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.