فاطمة الزهراء الحسيني 2 تذكرني


 

بقلم فاطمة الزهراء الحسيني

عزيزي.. لقد كان يومي مرهقا.. كل ما فيه ثقيل.. حتى أنفاسي كنت أعافر لأقوم بالتقاطها..
منذ وصولي إلى المستشفى و لحظة دخولي العناية المركزة و أنا أضع يدي على قلبي.. فقد كنت أشعر أنه اليوم بلا شك ستعود روح هذه الفتاة إلى بارئها..
انظر إليها و هي بين الحياة و الموت.. و أقول لها.. رجاء ليس اليوم.. فلتفعيها في يوم أخر.. مع طبيب أخر..
عرفنا أنها تسميه على هاتفها.. “حب عمري” .. و لقد كان حقا حب عمرها.. لو رأيت قصة حبهما.. لتذكرت قصتنا.. التي سقطت من ذاكرتك.. لعلك كنت تذكرت كل شيء..
ابنة الثلاثين ربيعا التي كانت ستضع بعد شهرين مولودها الأول الذي انتظرته بشوق بالغ و تأهبت لإستقباله..
لقد بقيت تنازع لاثنا عشر يوما.. تقاوم الموت.. تتقلب بين نوبات خوف و فزع.. كانت تتخطاها جميعها.. بوجود زوجها إلى جوارها.. الذي تحدى كل شيء ليظل ممسكا بيدها..
كنت آمل أن يخيب حدسي..
لكن ليس لنا من الأمر شيء.. فغادرت الحياة دون أن تتلوث.. منقاة من كل خطيئة.. هكذا هما الأخيار يُطهرون قبل أن يغادروا..
لعلها سعدت اليوم بلقاء أمها التي سبقتها قبل عدة أيام دون أن تعلم بذلك إلى حيث المستقر.. أكاد أراهم رأي العين.. يمكنها اخذ أنفاسها بسلاسة و يسر..
اظن أنني أراها .. تحتضن رضيعها.. الذي يبتسم لنا من هناك.. ينظر إلى جدته التي تضع يدها عليه و على والدته..
“الليلة لا وصب و لا نصب.. فرحة اجتماع الأحبة.. بعد نزال مع المرض..”
انظر إليها و هي لازالت ممدة على سريرها بالعناية المركزة.. بعدما استنفدنا جميع محاولاتنا..
“الليلة لا وصب و لا نصب..
فرحة اجتماع..
إلى اللقاء يا جميلة الروح.. يا طيبة القلب..”
أُغلق الستار.. على مشهد لا يمكنني نسيانه..
تناديني احدى المريضات اللاتي لم تعلم أن إحدى زميلاتها قد غادرت للتو..
صرخت في هلع و قالت:
-لا يمكنني التنفس..
فأمسك يدها.. و اطلب منها أن تهدأ..
– أنت بخير..
-انني اختنق..
-لا تقلقي..
تزيل قناع الأوكسجين..
أقوم بانزاله مرة أخرى على وجهها..
أخبرها..
-ابقيه على وجهك.. انك بحاجة إليه..
-سأموت..
– لا لن تموتي.. أنت بخير..
-انني أموت..
أحاول تهدئة روعها..
– لا داعي للقلق.. انني بجوارك..
فجأة تبتسم.. تتحسن نسبة تشبع الأكسجين بالدم..
اوجه بصري تجاه ما تنظر إليه.. إلى هناك حيث يقف.. خلف الزجاج.. يصنع باصابعه علامة قلب
و يقول لها بعلو صوته:
– أنا هنا معك.. و سأظل دائما بجوارك..
فتبتسم..
لتبرهن على أن الحب قادر على فعل المعجزات..
لكن إلى متى باستطاعة الحب انقاذنا..؟
إن حيل الحب ضعيفة.. لم ينقذ قصتنا.. و لم ينقذ الشابة الجميلة.. و لن يستطيع إنقاذ هذه الأخرى..
إننا جميعا بحاجة إلى أكثر من معجزة.. معجزة تعيد لك ذكرياتك.. و معجزة من أجل تلك العائلة الصغيرة.. معجزة من أجل طفلها الذي تركته مع والدتها.. دون وداع.. فهي لم تكن تعلم أن صحتها سوف تتدهور سريعا.. و أن المرض قادر على النيل منها..
لكن الرجل الواقف خلف الزجاج بدا لي مستعد لفعل أي شيء لتتحقق المعجزة.. صدقني انني أتمنى بشدة أن تنجو..
أما عن صاحبة السرير رقم ثلاثة.. فهي الأخرى تنازع.. تقاوم.. لكن بثبات.. دون خوف.. و كأنها قد رأت من الحياة.. ما يجعلها تصمد.. تؤمن أن خلف كل محنة منحة.. و بعد كل ليل.. هناك صباح.. سيعيد الحياة لكل شيء..
لكن على ما يبدو أن هذه المرة ستكون مختلفة.. يبدو كأنه ذلك الليل الذي لن تشرق بعده شمس.. و سوف يسود الظلام.. على الأغلب..
صاحب السرير رقم أربعة.. قام بإزالة كل الأجهزة المتصلة به من تلقاء نفسه.. و قام برمي قناع الأوكسجين..
و حاول مغادرة سريره.. لكنه لم يقو على ذلك.. فعضلاته ضعيفة جدا..
قال لي:
– سوف أعود إلى منزلي.. لا حاجة لي بالبقاء في المستشفى..
– حسنا.. لكن بعد يومين..
– أريد الذهاب الآن.. و العودة إلى منزلي..
– سوف تعود إلى منزلك قريبا..
أخذت وقتا طويلا في محاولة تهدئته.. لكن الشيء الوحيد الذي أقنعه.. بالمكوث.. هو أنه لا يستطيع المغادرة..
وضعه سيء.. و لا يمكنني التفاؤل بخصوص حالته.. أعتقد أنه لن يتمكن من العودة مرة أخرى إلى منزله..
انها أيامه الأخيرة بلا شك..
و هناك على أخر سرير في العناية.. كان يتمدد شيخ كبير قد جاوز التسعين عاما.. أعتقد أنه سوف يتمكن من العودة إلى منزله.. و رجل أخر و امرأة.. لم أكتب لك عنهما.. لأن أمورهما تسير بنحو جيد..
لقد كان يوما حزينا.. و هناك تفاصيل أخرى سوف أسردها لك في يوم أخر.. لأنني متعبة جدا..
قمت بالصعود إلى سكن الأطباء و تبديل ملابسي.. للعودة إلى المنزل.. و بعد أن أنهيت استعدادي للخروج وجدتني اجلس متعبة على الكرسي.. قضيت حوالي الساعة أحاول استعادة قوتي للعودة إلى منزلي.. أجهدني الوقوف أغلب الوقت.. و الصعود و النزول.. و الانعاش القلبي.. و كتابة الاوراق.. و مراجعة نتائج التحاليل..
كانت معجزة وصولي إلى منزلنا بسلام.. لكنني و بينما كنت أقوم بإيقاف سيارتك.. قمت بصدم السيارة المجاورة.. لكن لحسن الحظ لم ينتج عن الصدام إلا احتكاك بسيط..
اعتذرت من صاحبة السيارة.. التي تقبلت اعتذاري بصدر رحب بعدما علمت بعملي كطبيبة…
و اجتمع الشرفاء في شارعنا لمساعدتي في إيقاف السيارة بطريقة صحيحة لكي لا أسبب خسائر للسيارات المجاورة..
لماذا لم تقم بتعليمي قيادة السيارة..؟ لقد حدثت لي مواقف كثيرة لابد أن أقوم بقصها عليك.. أعلم أنني قد فاجأتك.. و كان ينبغي عليّ أن أقوم باستئذانك قبل أن استعيرها منك.. لكنني كنت مضطرة إلي قيادتها بعد قرارات الحظر..
لقد كان يوما مرهقا.. لكنني لم أستطع أن أنام قبل أن أكتب إليك..
أكتب إليك.. و كل جزء من جسمي يئن على حده.. أسفل ظهري.. يديّ.. و قدميّ.. و رأسي الذي يكاد أن ينفجر.. و قلبي الذي لا يعلم إلى متى يمكنه التحمل..
اعذرني لإنني أنظر إلى نصف الكوب المسكوب على الأرض.. دون أن أحاول تنظيفه..
فمنذ نسيتني.. و أنا لا أشعر أنني بخير.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.