إنچي مطاوع تكتب الموت ردما


 

الموت ردمًا
رائحة الورق مثيرة، مغرية بالنسبة لي ولأخي “لانجلي” أكثر من ظهور “مارلين مونرو” أمام منزلنا لتقديم استعراض راقص عارية الجسد، “مارلين”.. “مارلين” تلك الساحرة المعجونة من دقيق الموز وعسل الفراولة ومخبوزة بأشعة الشمس، لكن لا مجال للمقارنة أو التنافس بينها وبين تجميع الجرائد وكل قديم، هي أشياء أكثر جاذبية وإمتاع من كل نساء الدنيا.
يفتقد من نعرفهم لشغف وحب هذه الهواية، قاطعنا الجيران بعدما اتهمونا بالجنون المطبق، يتهموننا بتجميع القمامة وتلويث محيط منازلهم، مستاؤن لا يقدرون قيمة ما نحصل عليه من كنوز، يومًا سنصير من أغنى الأغنياء بفضل هوايتنا الشاذة من وجهة نظرهم القاصرة، يتربصون ويتسببون في مشاكل جمة لنا مع إدارة الحي وممثلي الضمان الاجتماعي، لا يهمني الجميع، يكفيني وأخي ليزيد إيماننا بأهمية ما نفعل هو محاولات العديد من اللصوص السطو على ممتلكاتنا، هل تسرق القمامة؟، هم إثبات على أهمية ما لدينا.
حفاظًا على ما نجمع من جرائد وحاجيات متعددة قديمة، ننصب الشراك والفخاخ في ممرات المنزل، وضعت منذ أيام فخ كهربائي أمام المدخل الأمامي للمنزل وأمام مدخل الباحة الخلفية، لا يمكننا إتاحة الفرصة لأي لص حقير للاستيلاء بكل بساطة على ما ظللنا لسنوات نجمعه، أطنان وأطنان مما يسميه الآخرون مخلفات.
وصلت مشرفة اجتماعية تبدو خمسينية العمر، منذ قليل خرجت تتجول بين غرف المنزل للتأكد من مدى استحقاقي وأخي “لانجلي” لراتب الضمان الاجتماعي، عادت إلي والامتعاض بدا واضحًا على وجهها الذي تجاهد ليبدو بشوشا، أخبرتني ببرود وسماجة أن المنزل غير صالح للاستخدام الآدمي، بأسلوب قميء قالت مندهشة:
– كيف تعيش “هومر” وسط هذه الأكوام من الفضلات والقمامة؟!
ضممت حاجبي بغضب قبل أن أقلدها وأجيب ببرود:
– ليست فضلات ولا قمامة هي كنوز، كما أنها هوايتي المفضلة مع أخي عليكِ احترام ذلك.
ابتسمت باستخفاف مضيفة:
– هواية؟!، تجميع مخلفات غيرك هواية؟ علي إبلاغ المسئولين عن هذا، عذرًا سيد هومر” سأكتب عن ذلك في تقريري، في ظني أخوك لا يصلح لرعايتك وعلينا إيجاد ملجأ يستطيع العناية بحالتك بطريقة أكثر احترافية وإنسانية، كيف يهمل ويعرض حياتك للخطر هكذا؟ ماذا لو سقطت أحد هذه التلال عليك كيف ستنجو وأنت طريح الفراش هكذا؟، سأثبت في التقرير إهمال أخيك ولا مبالاته بحياتك وسلامتك، سيتم توجيه إنذار أولي له بهذه الملاحظات وإذا لم يستجب سنضطر لقطع الإعانة الشهرية عنه وننقلك إلى مكان آخر أكثر ملائمة لحالتك.
كانت تهرتل بالحديث وهي تدور في الغرفة ولا تريني وجهها، انتظرت ريثما نظرت نحوي ثم صرخت فيها لأوقف تلك العجوز الشمطاء عند حدها:
– ما كل هذا!!، “لانجلي” يهتم بي جيدًا، وأنا سعيد هنا أعيش وسط ما أحب ومن أحب، لا أريد الانتقال لمكان آخر، أرجو أن تراعي هذا في تقريرك سيدتي إن كانت تهمك مصلحتي كما تزعمين!.
ظلت تكتب في دفتر ملاحظاتها مما أرعبني فاضطررت لتغير أسلوبي، شخصية عنيده سمجة، لم تجدي محاولاتي ولا تذللي لكتابة تقرير حيادي ينصفني وأخي، هددتني بقطع الإعانة عني وعن أخي إذا أبقينا على هذه المزبلة كما أسمتها، ثم خرجت غاضبة.
لا أعرف لمَ يحجرون على هوايتنا لمجرد أنها لا تنال إعجابهم؟، بشر قساة لا يهتمون إلا بما يريحهم هم، لا أريد الابتعاد عن منزلي ومحتوياته التي ظللنا لأعوام نجمع فيها، ألا يكفيني من العذاب أنني مقيد في سريري لنهاية عمري!!، لن أسمح لأي من كان بحرماني مما أحب، قررت بيني وبين نفسي أنني لا أريد نقود إعانتهم، سأتدبر الأمر مع أخي، علي أن أهدأ الآن سيعود “لانجلي” إلى المنزل قريبًا سأقص عليه ما حدث وسيجد حلا، هو دائمًا يجد مخرج لأية مشكلة تقابلنا.
سمعت صوته يدخل من الباب فناديت عليه:
– “لانجلي” أخيرًا وصلت، لقد جاءت تلك العجوز الشمطاء مسئولة الرعاية، ثارت وتوعدت بقطع الإعانة إن لم نتصرف ونزيل أشياءنا ونلقيها خارج المنزل في أقرب مكب نفايات، أسمت كنوزنا مزبلة واتهمتنا بتجميع فضلات ومخلفات الغير، منحتني مهلة أسبوعا كي نزيل ما أسمته أطنان من القمامة وإلا لا نلوم إلا أنفسنا.
ضحك بلامبالاة ثم حاول طمأنتي:
– لا تقلق “هومر” سأجد حل لن ندع أيًا كان يسلبنا متعتنا في الحياة، أو أن يضيع مجهودنا هباء، انظر ما أحضرت اليوم، سأقربه من سريرك لتساعدني، علينا فرزه لأضع كل شيء في مكانه الصحيح.
ظللت أتابع “لانجلي” وهو يرتب ما أحضرة في الأماكن الخاصة به، لمحت تلك اللمعة الشهية في عينيه، أساعده في الترتيب من مكاني بتوجيهه لأماكن الأشياء، الجرائد هنا في الغرفة الأمامية، المجلات بجوارها، بعض من أدوات المائدة تبدو صدئة قليلًا لكنها بحالة سليمة في غرفة المعيشة معها أواني معدنية مختلفة الأشكال والأحجام، كراسات وكتب مهترئة يومًا ستكون إرث كبير عندما تباع في مزاد للأشياء القديمة، أباجورة يدوية الصنع مزينه بالدانتيل وبورود بلاستيكية وأخرى مزينه بقطع من الكروشية، زجاجات عطور فارغة ذات أشكال جهنمية، يبدو أن أخي وقع على منزل فاخر اليوم، توقف عما يفعل لدقيقة ثم توجه نحوي بالحديث ناصحًا:
– بما أن الجميع يتهمنا بالجنون عزيزي “هومر” ولا يقدرون أهمية ما نجمعه، يقللون من شأن هواياتنا، فعلينا الاهتمام نحن بأمرنا، سأرتب ما يوجد بين الممرات، وأخلي مساحه لأستطيع التحرك براحتي، لا نحتاج أي مساعدة أو شيء من غيرنا، فلتذهب هذه الأخصائية إلى الجحيم هي وإعانتها، اللعنة على الجيران وكل مسئولي الحي وكل من يمنح نفسه حق التدخل فيما لا يعنيه، أتفهمني سنعتني ببعضنا أخي العزيز، حسنا؟!
تفاءلت بقوله هكذا سننجو من تقرير تلك المشرفة الغبية، فانطلقت مشجعًا:
– هذا هو أخي العبقري، علينا إحضار بعض من مصائد الفئران وسم للصراصير والنمل، لقد لاحظت تلك المعتوهة صباحًا وجودهم وهددت بإبلاغ مسئولي الصحة، أخاف أن يأتوا ويستولوا على ممتلكاتنا بحجة تنظيف المنزل من القوارض والحشرات.
ابتسم وهو ينحني ليكمل ترتيب ما أمامه مجيبًا بصوت هادئ:
– غدًا أحضر ما طلبت
قلبي يدق بقوة من فرط السعادة، مع هذا سمعت صوت لهاثه من على بعد، يبدو ما يفعله مرهقًا، وددت لو كنت بصحتي وأستطيع الحركة ومساعدته لكنه قدرنا، أخيرًا فرغ من ترتيب ما جلبه اليوم، حملني على ذراعيه لأشاهد ما قام به من تجديدات، مبهج بشدة، أن أري أشيائي حبيبتي مرتبة بنظام، ظهر حجمها الحقيقي وأدركنا كم ما جمعناه طيلة سنوات.
بعد كل هذا كيف يطلبون منا التخلص منها؟، حياتي وأخي متصلة بهذه الأطنان ولا سبيل لفصلنا عنها، طلبت منه أن يتأكد أن الفخاخ حول كنزنا الكبير تعمل، سيموت كل من يحاول الاقتراب من ممتلكاتنا، “لانجلي” الأصغر لكنه يجيد الاعتناء بي ويلبي جميع طلباتي، تركني منذ ساعتين وذهب لتحضير الطعام، همست لنفسي:
– لمَ تأخر هكذا؟!
ناديت عليه بقوة:
“لانجلي”.. “لانجلي”
عدت لمحادثة نفسي كي لا أرتعب لغيابه:
لماذا لا يرد علي هذا المعتوه؟!، أين ذهب؟! هل خرج ليحضر مصائد جديدة للفئران دون أن يخبرني؟، ربما غضب مما حكيته وخرج يبحث عن الأخصائية الاجتماعية ليلقنها درسا في عدم التدخل بشئون غيرها وخصوصياته، بالتأكيد هذا ما حدث..
أتضور جوعًا، أشعر أن سكاكينه تقطع في أمعائي، ماذا أفعل الآن لا يمكنني الخروج من الغرفة؟، حتى وإن أسقطت نفسي من على الفراش كيف أتحرك وسط كل هذه الأشياء والمسافة لا تسمح بمرور جسدي؟!
– “لانجلي”.. “لانجلي”
أوف على الهدوء، لا داعيَ للقلق سأنام قليلًا حتى يأتيني بالطعام، هذا المتخلف سيقتلني جوعًا.
“لانجلي”.. “لانجلي” أين أنت يا صاح؟، الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل، الوقت متأخر جدا، لم يعتد التأخر علي هكذا؟!!، الأمر غريب، بالتأكيد هناك ما يريب، ينتابني قلق جم عليه، يا الله.
صبرت قليلًا لكنني لم أستطع الصمود أكثر فصرخت أنادية:
– “لانجلي”، أجبني، عليك اللعنة “لانجلي” أشعر بالإرهاق والتعب، أريد قطرة ماء، يا “لانجلي”
بكيت كما طفل صغير وأنا أشعر بمعدتي تتقطع جوعًا، روحي تتعذب تعبًا كأنما سوف تسحب مني، لم أتناول طعامي منذ الساعة الثامنة صباحا الأمس:
صرخت بقوة:
– “لانجلي” يا رجل أين أنت؟!، مرت أربع وعشرون ساعة أين ذهبت كل هذا الوقت؟!، حتى أصدقاؤنا من الفئران اختفت هل تأمرتم جميعًا لإفزاعي؟! “لانجلي”
رائحتي سيئة ومقززة، أريد الذهاب للحمام، أوف، لا أستطيع الصبر على الجوع أكثر، علي التحرك لن أبقى هنا منتظرًا ما لا أعلمه، علي الخروج من هذه الغرفة البائسة، أين ذهب؟ لم يفعل هذا من قبل، ربما أصابه مكروه ولا يستطيع الزحف والوصول إلي؟، تحركت في مكاني وحاولت إسقاط نفسي على الأرض.
آه، اللعنة.. اللعنة، السقوط من على هذا الفراش مؤلم بشدة، اللعنة علي وعليك “لانجلي” كيف نسيتني هكذا؟!
لا.. لا يجب أن أعاود البكاء، الأرض متربة ومغبرة وتتحول إلى طين باختلاطها بدموعي، أوه يا للجمال، ألمح قطعة خبز أسفل هذه الكومة من الجرائد.
– تعالي.. تعالي هيا بهدوء.. بهدوء.. جميل
سحبت قطعة بهدوء، على الحذر كي لا تسقط الجرائد على رأسي، اخرجي أيتها الملعونة، أيتهـ…
كم الساعة الآن؟!
تلفت حولي فيبدو أنني فقدت الوعي لفترة طويلة، لا أستطيع الزحف ومعدتي تقتلني وجسدي شديد الإنهاك ماذا أفعل؟ “لانجلي” أيها الملعون أين ذهبت؟
هل أثر فيه حديث مشرفة الضمان الاجتماعي وتركني وحيدًا وذهب؟ هل تعب من الاهتمام بي وهرب ليبدأ حياة جديدة دون الالتزام بمسئوليتي؟! “لانجلي” عد إلي أحتاجك لا أستطيع العيش بدونك أخي، أخوك الكبير متعب أخي، ربما علي الراحة قليلًا بالتأكيد سيمر شخص علي، “لانجلي” سيعود، لن يتخلي عني، ااه سيعود سأنام قليًا حتى يعود..
نملة، أرى نملة تحمل طعامها، يا نملة تعالي هنا، علي جمع عدد كبير من النمل لأسد بعضا من جوعي الكافر المتملك من أحشائي، لا، سأعود إلى فراشي، ستحضر بالتأكيد تلك المعتوهة من الخدمات الاجتماعية وتنقذني بعد قليل..
.
مرحبًا أعزائي المشاهدين..
وصلنا الآن تقرير بآخر مستجدات البحث عن الأخوين هومر ولانجلي كولير اللذين اختفيا في ظروف غامضة، اُكتشف الأمر بعد إبلاغ أحد الجيران عن صدور رائحة كريهة من منزل الأخوين.
بذل رجال الشرطة مجهودات مضنية لدخول المنزل باءت بالفشل، وبعد أسبوعين من العمل الشاق في إزالة حوالي مائة وثمانين طن من مخلفات وخردة كان يحتفظ بها الأخوان، كدساها داخل المنزل لتغطي الأرض وتصل إلى السقف..
وجد العمال جثة “هومر كولير” ليخرج تقرير الشرطة يفيد موته منذ خمسة عشر يومًا، وقد أكلت الفئران أجزاء كبيرة من جثته المتحللة، وعلى بعد عشرة أقدام من جسده.
وجدت جثة الأخ الثاني “لانجلي” في وضع سيئ أيضًا بسبب هجوم الفئران والصراصير وجحافل من النمل عليها، وجد قابضًا على طبق فيه بقايا طعام متعفن.
من المشاهدات المحيطة بالحادث اتضح أن “لانجلي” وقع فريسة أحد فخاخه، أثناء زحفه داخل نفق بين ممرات منزله لإحضار الطعام إلى أخيه “هومر”، مما أدى لوفاته في الحال متأثرًا بإصابته.
وقد توفى أخوه بعده بيومين بسبب الجوع حسبما وضح تشريح الجثة، ننتقل الآن إلى حالة الطقس..
انتهت

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.