د. طلعت الدردير يكتب: التغير الاجتماعي السلبي : نظرة ناقدة


 

د. طلعت الدردير يكتب:
التغير الاجتماعي السلبي : نظرة ناقدة

إن التغير الاجتماعي مفهوم مرتبط بعلم الاجتماع، وهو يشير إلى التغير المستمر في المجتمع؛ بسبب تأثير مجموعة من العوامل الاجتماعية أو العوامل المتنوعة الأخرى، وقد يكون التغير الاجتماعي تغيراً إيجابياً أو سلبياً، وأركز هنا على التغير الاجتماعي السلبي وعوامله. إن من أهم الأمثلة على التغير الاجتماعي السلبي والذي نعاصره جميعاً هو ذلك التغير الاجتماعي الناشيء عن عامل تكنولوجي تقني يتمثل في الثورة التكنولوجية في مجال الاتصالات والصناعة الالكترونية، فلقد كان لهذا التطور في تلك الوسائل أكبر الأثر في إحداث تغيرات اجتماعية كبيرة في المجتمع المصري خاصة وفي المجتمعات الأخرى بصفة عامة، فلقد كان المجتمع المصري قبل ظهور الثورة التكنولوجية وعصر الانترنت وخدماته يعتبر من المجتمعات المثالية التي تحافظ على موروثات اجتماعية وتقاليد أسرية هامة مثل التزاور العائلي وتقارب أفراد الاسرة البسيطة والأسرة الكبيرة والممتدة، ولقد كان كل فرد في الأسرة يبادر بزيارة الآخرين والسؤال عنهم وتتبع أخبارهم والمشاركة في التجمعات الأسرية والعائلية بجميع مستوياتها، كما كان هناك نوع من الترابط الأسري الاجتماعي بين الآباء والأبناء، وكان هناك ضوابط أسرية تحكم تلك العلاقات أساسها معرفة الحقوق والواجبات.
ومع ظهور ذلك التطور الشامل في وسائل الاتصالات الناتجة عن تطور استخدام شبكة الانترنت تغيرت تلك العادات الاجتماعية والأخلاق البينية، وطرأ تغير اجتماعي سلبي نال من أخلاقيات وطباع الكبير قبل الصغير، فأصبحت الرسائل الالكترونية هي البديل عن الزيارات العائلية والتواصل بين أفراد الأسرة، وقلّ هذا التواصل بل انعدم نتيجة ما أسميه بالراحة الإلكترونية، وأصبح أفراد الأسرة الواحدة داخل المنزل الواحد مشغولين بالهواتف والأجهزة الالكترونية بأنواعها المختلفة مثل التابلت واللابتوب والهاتف المحمول، وأهدر أفراد الأسرة واجباتهم الأسرية وأصبح هناك نوع من اللامبالاة والاتكالية، وتطرق كذلك هذا التغير الاجتماعي إلى الأسرة الكبيرة والمجتمع ، فأصبحت الأسرة الكبيرة الممتدة لا تجتمع ولا يُرى أفرادها مجتمعين إلا من بعد عناء بغية التجمع السريع الغير مفيد من ناحية العلاقات الأسرية، وذلك من خلال المناسبات العائلية ولبضع دقائق بسيطة فقط.
إن التفسير الموضوعي لما حدث من تغير اجتماعي هو بسبب ما يسمى بعصر الانترنت وعالمه المفتوح الذي أذهل العقول وشغلها به عما سواه، وأيضاً ما وفره من سهولة التواصل والاتصال من خلال إمكاناته التقنية المتعددة التي سهلت على الأفراد مجرد الاتصال، ووسعت من الفجوة العائلية والاجتماعية فيما بينهم، وبالطبع فهذا التغير الاجتماعي هو تغير سلبي لأنه نشر حالة اجتماعية جديدة داخل المجتمع المصري يسودها اللامبالاة بين أفراد الأسرة والمجتمع، كذلك ساهم في حالات كثيرة في تفكك الأسرة وحدوث مشكلات اجتماعية، وأوجد حالات من العزلة والانطوائية بين أفراد الأسرة الواحدة، بل وأظهر أمراضًا تتمثل في التوحد والتشتت الفكري وغيرها من الأمراض العضوية والنفسية، وقلل هذا التغير الاجتماعي من الترابط الأسري، وأصبح كل فرد منطويًا في عالمه الخاص دون النظر لما حوله ولمن حوله.
إن الأسرة والمجتمع عليهما أعباء ومهام جسيمة لإعادة النسق الاجتماعي القويم من جديد، وهذا الجهد يجب أن يشارك الأفراد فيه من خلال التقارب الأسري من جديد والبعد عن الملهيات الإلكترونية التي لا يحمد عقباها، ويجب كذلك تربية الأجيال الحالية والقادمة على أسس من الترابط والبعد عن التكنولوجيا السلبية وما تبثه فينا من آفات اجتماعية وتغير اجتماعي سلبي ينال من كياننا ووجودنا، وعلى كل منا أن يُعلم الأبناء أن الأسرة وتلاحمها أهم بكثير من العزلة وعواقبها.
د. طلعت الدردير

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.