ميادة منير تكتب عقل القرد


“عقل القرد”

 

“هينايانا” فرقة من فرق البوذية تعني العجلة الصغيرة، وهي حريصة علی الدين البوذي الذي وضعه بوذا نفسه. و”مهايانا” فرقة أخری تعني العجلة الكبيرة، وتلك عدلت البوذية القديمة وجعلتها قريبة من فهم الأقوام الذين اعتنقوها.

كلنا يدرك أننا رغم العقل الذي نحمله نصير أحيانا بلا عقل؛ فإذا ما تواردت الأفكار والخواطر بصورة عشوائية مشتتة، تلتقطها عقولنا بين لحظة وأخری من مجريات الحياة اليومية دونما إدراك، ومن ثم يمكن لتلك المواد أن تظهر كمعتقد أو ذكری يتم التعرف عليها، ونعززها إذا ما كررناها وجعلناها تقفز إلی الذهن كقردٍ يتناوب الأشجار للقفز.

هذا هو حال أفكارنا اليومية في تنقلها السريع والعشوائي كحركة القرود السريعة والعشوائية بين الأشجار العالية حصولاً علی الموز، وكلما زادت الرغبة للحصول علی كمية أكبر زاد الخوف والقلق والعشوائية. كذلك نحن حينما تتأرجح أفكارنا بين ندم علی ماضٍ، و تشتت في حاضر، و خوف من مستقبل فإننا نفقد بذلك كله السلام الداخلي.

تعاليم “مهايانا” في الصين واليابان أطلقت علی الطاقة المتسارعة “عقل القرد” منذ أكثر من ألف وخمسمائة عام، فالأفكار المتسارعة المشتتة المرتبطة بالماضي المؤلم، ويومياتنا المتقافزة في عالمنا المنفتح، وكلمات اللوم والعتاب والمقارنة وتصرفات الآخرين وشبح المجهول يجعلنا نفقد التركيز علی أهدافنا وتضيع الكثير من الأحلام بين تلك التحديات الثلاثة، الماضي والحاضر والمستقبل.

ولذلك كان حري بنا أن نستعين بأدوات التخطيط الجيد ونؤمن بأن الإنسان بدون أهداف واضحة وخطة جيدة ستعلو عنده الرغبات والطموحات ويزداد التشتت وبالتالي تقل الإنتاجية.
ويجب أيضا التركيز علی التفاصيل الدقيقة والحذر من المشتتات المادية والمعنوية، ويتحدد معناه في الالتزام اليومي نحو هدف بعينه له خط زمني واضح، وهذا التركيز هو الذي يبني المستقبل وتقل معه نسب الخوف والقلق والتشتت.
كما أن ممارسة التأمل لاستعادة الصفاء الذهني والسلام الداخلي هي حجر الأساس واللبنة الأولی في هذا الشأن، ومن ثم بذل أقصی جهد وكل الأسباب الموصلة للهدف.
وأخيرا الرضا التام بالنتائج، لأن الرضا بلا عمل هو رضوخ واستسلام وانهزام وبعداً عن تحمل المسؤولية والجد في صناعة القرار، والإنسان في رحلة يومية وسعي متواصل نحو تحقيق أهدافه التي لا تنتهي، وغايته الأبدية.

إذاً، فالوقوف في دائرة مغلقة والسماح للأفكار المتسارعة الهبوط في مكنون الباطن تعني أننا لم يكن عندنا الشجاعة الكافية لمواجهة التحديات وأخذ قرارات واعية حازمة، ولم نكشف الغمامة كي نعرف أنفسنا حق المعرفة، فطريق الهروب يزيد المخاوف ورهبتها، ويكبر مقامها في أعيننا لتصبح كالوحش الذي تتقزم أمامه أحلامنا وأهدافنا.
فلنصنع لذواتنا شيئاً يستحق أن تولد معه الحياة.

ولنطلق العنان للعقل الواعي في نهاية المطاف ليفكر ويتساءل هل كان للبوذية آنذاك أن يتجلی بينهم مفهوم الطاقة المتسارعة إن كانوا مؤمنين يتمتعون بالسلام الداخلي؟!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.