أحمد غنيم يكتب الأبيض و الأسود


الأبيض والأسود

 

منذ عشر سنين، وبينما كنتُ أتوضأ لصلاة العصر -إن صدقت ذاكرتي- والصنبورُ مفتوحٌ على آخره، إذ برجلٍ ما علمت عنه سوى الحماقة والبلاهة والمزاح بغير داعٍ يدخل علي مغمغماً بالكلماتِ فما انتبهتُ إليه إلا عندما لوحَ بيديه فأغلقت الصنبور وأنصتُّ إذ يقول: «لا تسرف في المياه!»
أنتظرت أن اسمع تكملةً تقليدية كحِكمٍ لحكماءٍ يونانيين عن الماء وأهميتها وأحاديثٍ للرسول وآياتٍ من كتاب الله وما سواه وأدنى، لكنه أكمل قائلاً: «إن هذا الماء الذي تهدره هو من عمرك، إن لكل إنسانٍ منا حاويةً في السماء بها ماءه، متى نفُذت مات على فوره، فليس له مقدار نقطة تنجيه من الموت ما دام قد أفنى حاويته»

شغلني ما حكى الرجل مقدار يومي، ثم تذكرتُ أنه أحمق وأبله ويمزح بغير داعٍ، فتناسيتُ ثم نسيتُ وبقيت ألا أسرف ما دام حاضراً، ثم أسرف يومي ويوم ما لم أسرف عند غيابه.

دع مشاهد الأبيض والأسود التي تتخليها و دعني أخبرك بالألوانِ أنه على قدرٍ معلومٍ، بحكمةٍ بالغة خُلقت الأشياء، ولن أُعدد هنا الطعام، والشراب، والشجر، والدواب، والناس، و ما أوجد وخلق الله -سبحانه وتعالى- من الماديات، لكني سأتطرق لحظة؛ لإنارة عقلك بوميضٍ مرَّ أمامي خاطفاً عندما راجعتُ خبر وفاة الفنان إسماعيل ياسين.

هل تعرف زجاجة المياه الغازية؟ بالتأكيد تعرف البيبسي والكولا وغيرهم. هذا المشروب قد صُنع وبه نسبة معينة من الصودا متناسبة مع باقي مكونات المشروب، ولو أراد أحدنا أن يسحب كمية الصودا من الزجاجة فما عليه سوى رَجّها ثم فتحها، ومن بعد تصبح الزجاجة بلا طعمٍ، ومحلها القمامة، أما إذا استُخدمت برشدٍ دون عبثٍ أو مبالغة في اخراج الصودا فستبقى وتظل برونقها وحلاوتها حتى آخر قطرة.

قد ظل اسماعيل ياسين معتلياً عرش الكوميديا متمكناً من البطولة المطلقة مقدار عشر سنوات، وما قبلها وما بعدها شخصٌ ضحوكٌ مُضحكٌ يرجُ عقله فتخرج منه نافورة النوادر ويرج قلبه فتخرج منه نافورة الضحكات، إلى أن أتت أواخر أيامه كان فيها شخصاً آخراً، إسماعيل منزوع الصودا، فكان وأيامه بلا طعمٍ، أو حلاوة ومن ثم وافته المنية مكتئباً يتصبب حزناً، قد أفنى ما قدره الله له من الضحك كما أفنينا ما قدرت شركة بيبسي لمشروبها من الصودا فأضحيا بلا طعمٍ وذهبت حلاوتهما.

والآن عُد للأبيض والأسود وما قاله الرجل الأحمق الأبله ستجده صحيحاً لكن قاله بحماقة وما الحماقة إلا صحة قصدٍ وطريقٌ خاطيءٌ. واعلم إن اسرافك في الأبيض سيترك لك سواداً قاتمً. و لا حاجة لي لأن أذكرك بالوسطية والاعتدال في القرءان أو السنة، لكني سأكتفي بقول الله تعالى «إنا كل شيءٍ خلقناه بقدر».

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.