محمد خالد يكتب القطار


القطار… هذا الثعبان المعدني الذي يشق باطن الأرض ليربط ما بين أقاصيها، ويلدغ الطريق بصوت ارتطام عجلاته المعدنية فوق “فلانكاته” الحديد، كان سبيلي للوصول الى مدينة الرب، هذه المدينة التي شقها الإسكندر ليخلد بها إسمه الإسطوري، والتي تكتسب منه أسطورة خاصة بها.
كنت كلما أتيتها أعود طفلا رغم شعراتي البيضاء التي تخترق رأسي، أعود الى أحلامي الطفولية جدا، وتفاصيلي البسيطة جدا التي تتناسب مع طفلي الذي يسكن جسدي النحيل.
هذه المرة كان الزحام شديدا عن المعتاد، ف الماضي كنت كلما قررت السفر  أذهب باكرا جدا، أحجز كرسي في الدرجة الثانية وأتحرك قبيل الفجر، فقط لأستنشق الصباح فوق الشاطئ الخالي من الناس تقريبا، لا سيما وأنا أسافر دوما في الشتاء، وندر ذهابي صيفا أو امتنع تقريبا.
اليوم استيقظت بملل شديد لا اعلم له مبررا واضحا، وجدت الشمس تستعر في عرشها السماوي، والسحب هجرت زرقة السماء وكأنها معاقبة بالنفي من قبل الشمس، وليكتمل الحظ السيء معي، وجدت قطار الدرجة الثانية قد غادر، فاضطررت لأن أركب ما يطلق عليه المتميز، هذا القطار الذي شاهد بشرا أكثر من ضحايا حروب العالم أجمع، في البداية كان الزحام شديدا جدا، حتى أنني شاهدت بشرا أظنني لن أشاهدهم ساعة الحشر.
إزداد بي الصخب والضجيج، فغدا الطريق الى طفولتي مرهقا جدا، مرهق حتى أنني قد رأيت شعري الأبيض ينتشر وجسدي ينحني ويمتد بي الإنتظار إلى حيث الموت.
“سأكمل ولا يهم” قلتها في نفسي محاولا إكسابي قدرا من الصبر والأمل، فأنا  أعرفني جدا، أمل الإنتظار، كما يمل العشاق وقت التهنئة الذي يطول بهم حتى يظنوا أنه سيحول بين عناق يرتمون إليه، ارتكنت بجسدي النحيل إلى باب القطر القديم الذي عبث به الصدأ دون أن ينغلق فبقى مفتوحا كفوهة مقبرة جماعية مكتظة بالضحايا، ارتكنت إليه مستندا بوهني وانحنائي إلى وهنه وصدأه، وظللت أتتبع، عددت من أعمدة الإنارة ما تجاوز الخمسين، شاهدت أرضا مخضرة وأبنية قبيحة المنظر، و أناس كثر ينتظرون ما أجهله، والغريب أنني كنت أشاهدني في كل هذا، كل شئ أجد فيه شيئا مني، في الأبنية القبيحة شاهدتني بشيطاني، و في الأعمدة الواقفة شاهدتني بالتيه الأبدي الذي نفيت إليه، حتى الزروع التي أكسبت الأرض خضرة مؤقتة رأيتني فيها، لن أقول أنني أزهر مثلها، ولكنني أتساقط مثلها في كل فصل يمر، أرهقني الأمر جدا، حتى أنني سئمت التسعة عشر محطة التي اضطر القطار إلى التوقف فيها لإعادة شحن المزيد من الأجسام البشرية المرهقة إلى الحد الذي تمنيت فيه أن ألقي جسدي النحيل إلى القضبان. ولكن لا أخفيك أمرا فليست القضبان أو خوفي منها هو الذي حال دون ذلك وإنما ما منعني هو مخافتي من أن يصل الأمر بنحولة جسدي أن أقع بين حافتي قضبان فأعلق دون الموت ودون الحياة.
“لا يهم فقد وصلنا أخيرا” قالها عجوز كان يقف إلى جواري فنظرت إليه وأنا أحاول رسم  أية مشاعر تبدي الإهتمام لما يقوله هذا العجوز ولما لم أنجح ابتسم إلي قائلا ” يبدو أنك تشبهني كثيرا” بوجه مجرد من كل شي إلا الملل أجبته ” وفيم الشبه؟!” أجابني وهو يهبط من القطار ويشدني من ساعدي الأيسر” أتيت إلى هنا صغيرا وتركت طفلك يلهو على أحد الشواطئ ورجعت ومنذها وأنت تأتي لتبحث عنه.” تملكني الفضول كثيرا في خطوت متتبعا حركته بصمت طويل نوعا أنهاه هو بكلمات صغيرة قال فيها” لن تجد طفلك يا هذا أبدا، فلقد سافر في أثرك حتى أنهكه الشيب جدا فعاد إلى هنا حيث تمنى الموت، يا هذا مثلما يقولون أن البحث عن الذات يوجدها، فهم يقولون أيضا أنه لا يصل الجميع إلى ذاته، يا هذا الأمر لا يستدعي كل إرهاقك هذا، فلو عاد الوقت بي لكنت بقيت هاهنا لا  أنتظر من تركني صبيا على أمل منه أنني لن أكبر أبدا، وإنما استمتع إلى ما بيدي من أيام سأقضيها وتمر بي إلى نهاية المطاف. الموت يا هذا سيلحق كل شئ” أنهى حديثه وأختفى، كنت قد لاحظت شبها بيننا فتمنيت بقاؤه لأتأكد مما ساورني من شك ولكنه رحل، ورحلت أنا إلى أول موجة حملتني من أكتاف المشيعين لي.

 

1 Comment

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.