أسماء بوجلال تكتب نهاية رحيل


أسماء بوجلال تكتب نهاية رحيل

اخذت رحيل مكانها في الحافلة و هي تحدق الى الخلف ممسكة بمقبض كرسي الراكب الذي امامها،عندها انطلقت الحافلة من امام المقهى الوحيد بقريتها الى وجهة لا تعلمها…كانت تعلم ان كل الراكبين يعلمون وجهتهم إلا هي…لقد قررت السفر و لكن إلى أين؟هي لا تعلم…هاهي رحيل ترحل و تترك قريتها و اهلها و كل التفاصيل…انها رحلة فراقها الاولى و الاخيرة…رحلة الوداع….تودع سريرها و غرفة النوم المشتركة الضيقة التي كانت تحشر فيها هي و اخوتها…تودع الخالة و العمة و ابن الجيران…تودع الحبيب و الصديق …تودع الكتب و دفاتر اشعارها…انها تودع عالما كانت تشيده من خيال فهوى و في تلك اللحظة الغريبة كان شريط افكارها اسرع من شريط المناظر الطبيعية من وراء النافذة …خواطر الليالي الشتوية….إن التفكير في الرحلة أشد قسوة من الرحلة بحد ذاتها….هكذا قالت لنفسها.
كانت رحيل تحدق في اللاشيء حين مرت ببالها خاطرة….مالذي ينتظرني في نهاية هذه الرحلة ؟ هل انتهى كل شيء؟هل بامكان الحافلة ان تعود بي الى القرية …رحيل تتساءل و لا احد يجيب….يبدو ان الرحلة على وشك الانتهاء …نعم رحيل تودع العالم و الى الابد….وداعا ممزوجا بالهذيان و الصراخ الصامت …ألم يعلموننا ان الصمت اصدق المتكلمين ؟و أن الحياة جميلة للذين فهموها اما نحن فهل فهمنا الحياة؟نحن لم نعرف ماهي الحياة فكيف لنا ان نعرف ماهو الموت؟ دائما نتكلم عن الموت بصيغة الغائب كأن الموت لا يصيبنا نحن بل يصيب الاخر بينما الموت في الواقع تجربة ذاتية خالصة….عندما انتبهت رحيل الى ان تفكيرها في الموت انساها رحلة أوشكت على نهايتها أغمضت عينيها و هي تحاول بكل قوة مواصلة الرحلة و هي تقنع نفسها انها ميتة قيد الحياة…فهي تعيش الموت في اليوم ألف مرة…و تتمناه ألف مرة…ومن منا لم يتمنى الموت يوما في لحظة انكسار أو في لحظة فشل….العالم يعج بالموتى و المنتحرين …لكنني اليوم قررت ان انهي حياتي و اختار وقت و مكان موتي…اريد ان أُترك للعراء وحيدة في ارض غريبة حيث الغربان و نسور الجبال العالية …حيث تتهافت على جثتي جوارح السماء و حيوانات الارض المفترسة …كانت رحيل مغمضة العينين في عالم من الصور و الخيالات التي لا تنتهي ….تذكرت رحيل كل لحضات الفرح و الحزن و الحب و الكره و الحرب و السلام و الامل و اليأس كل هذه المتضادات ….رحيل تتساءل من أين أتينا و إلى أين نحن ذاهبون ولأي غاية جينا الى هنا…. اخشى من اننا هنا فقط لنشقى ثم نموت…لقد انتهى كل شيء لأن رحيل تحتضر، انها ترحل تاركة حضن امها و حنان أبيها و السواد يلف بها،وحيدة في ظلمتها،لتصبح بعد هذه اللحظة لاشيء.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.