أيمن موسى يكتب رائحة الموت


 

رائحة الموت { ق_ ق }
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مازالت كلمات الطبيب تتردد بأذنيه فما عاد يسمع سواها ( إشتباه كورونا ) ليستطرد قائلًا ولا داعي للقلق فمع الرعاية وتناول الأدوية ستكون بخير ولكن حذار أن تلتقط العدوى منها أو تخالط أحد .
أوقف لأمه سيارة أجرة لتركبها بينما أخبرها أنه سيلحق بها بعد شراء الأدوية التي كتبها الطبيب.
ظل لساعات هائمًا على وجهه بالشوارع لا يدري أين هو أو إلى أين يذهب بينما كل تفكيره منصب على ما قرأه بالمواقع الإخبارية وما يشاهده من مقاطع تظهر حجم الخطر ومدى الألام التي يعانيها من تصيبهم العدوى .
أصبح أسير لتلك الهلاوس السمعية والبصرية حتى أنها تملكت منه كليًا .
ظلت عبارة الطبيب تطارده وتطوقه وكأنها حبل قد إلتف حول عنقه حتى كاد يخنقه وهو يتخيل أمه وقد تحولت لقنبله موقوته لا شك أنها ستنفجر به هو قبل أي شخص أخر فهو الوحيد الذي يقيم معها بعد موت أبيه حتى أنه لا أقارب يتزاورون معهم كما أنهم لا يختلطون بالجيران إلا عند الضرورة .
كان يسير بالقرب من الرصيف يفكر بحل لتلك المصيبة التي حلت فوق رأسه وكيفية مواجهتها .
ماذا لو علم الجيران أن أمه مصابة بهذا الفيروس الفتاك لا شك أنهم سيصبحون مادة للسخرية والتهكم بين الجميع بل ربما وصل الأمر لطردهم من البناية والشارع بأكمله .
تخيل كيف ستلاحقه النظرات تطاله الإتهامات أليست هذه طبيعة المجتمع الذي نعيش فيه ؟
مجتمع فقد الكثير من معاني الإنسانية .
كان مستغرقًا بأفكاره السوداوية حتى أنه لم يشعر بتلك السيارة التي كادت تصتدم بالرصيف وتدهسه دون ان يشعر بها فقط سمع قائدها وهو ينعته بأقذع الشتائم وهو يشير له قائلًا أمثالك من المرضى والمعتوهين يجب ألا يغادروا منازلهم .
نهض واقفًا دون أن يلتفت إليه بينما يردد بإبتسامة صفراء وجدتها وجدتها.
ذهب إلى الماركت وتسوق الكثير من المأكولات والمياه والعصائر قبل أن يصرف روشتة الطبيب من ثم عاد للمنزل .
ما أن عاد للمنزل حتى إرتدى الكمامة والقفاز وهو يشير لأمه أن تدخل إلى تلك الغرفة ذات المرحاض الداخلي وما أن فعلت حتى وضع كل ما اشتراه داخل الغرفة ليسارع بالخروج وإغلاقها من الخارج بالمفتاح لينظر إليه بإرتياح شديد قبل أن يضعه فوق المائدة وهو يقول لها لن تغادي هذه الغرفة إلا بعد زوال الخطر فقد أحضرت لك كل ما تحتاجين إليه فلا تزعجيني بطلباتك وتوسلاتك .
بذهول ودهشة قالت له هل تقصد حقًا ما تقول ؟
هل ستضعني بتلك الغرفة وتقيد حريتي ببيتي ؟
رد عليها بغضب وسخرية أليس افضل من إلتقاط العدوى منك من ثم الموت ؟
إستطرد يقول بغضب مازلت ببداية حياتي ومازال العمر أمامي طويلًا وأريد الإستمتاع بكل يوم منه .
الأم بحسرة وهل أدعو الله كل يوم إلا لك بحياة سعيدة وعمر مديد ؟
أردفت قائلة يا بني منذ زمن طويل توقفت عن الدعاء لنفسي فكل دعواتي إختزلتها لك رغم سوء طبعك .
قال لها بغضب حسنًا إن كنت كما تقولين وترددين دومًا بأنك تهتمين لأمري نفذي ما أقوله دون عناد وجدال وإلا فسوف أترك البيت ولن تري وجهي مرة أخرى .
بحسرة وألم وبصوت واهن بالكاد غادر حنجرتها قالت كنت أظن أن هذا سيحدث فقط بالأخرة وعند الحساب { يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيه”.} ولكن وكما يبدو أنه من نصيبي أن أختبر ذلك بالحياة وممن ! من فلذة كبدي وقطعة من روحي .
رد عليها بحدة لا تحاولي إستدراجي فأنا أفعل الصواب وأي إنسان مكاني كان ليفعل مثلي وأكثر بمثل هذه الظروف .
بعد الكثير من الجدل والتوسلات أيقنت الأم أنه حديث بلا طائل وأنه أصبح أسير ظنونه ووساوسه وأنه لن يعود عما انتواه بعد أن سيطرت عليه الهلاوس لتطلب منه بالأخير سجادة الصلاة والمصحف وهى تقول بإستسلام الله المستعان يا بني الله المستعان .
مرت الأيام والأم بغرفتها تقاوم القهر والألم والوقت الذي يمر إلا بالصلاة وقراءة القرآن بينما الإبن يعيش حياته مع رفاقه دون أن يكترث لأي شئ حيث السهر كل يوم ببيت أحدهم للفجر .
أصبح كل ما يربطها به هو صوت غلق الباب بعنف عند خروجه وصوت المفتاح عند عودته لتشعر بعدها بالإطمئنان والإرتياح لعودته .
بعد ثلاثة أيام من الأسبوع الثاني تنتشر رائحة كريهة بالبناية التي يقطنون بها حتى أن الجيران أصبحوا لا يطيقون التواجد بها .
وبعد فشلهم بالدخول رغم محاولاتهم المستمرة بقرع الجرس رغم سماعهم لهمهمات تأتي من الداخل دون الإستجابة لهم كان القرار بإبلاغ الشرطة .
ما أن حضرت الشرطة حتى تم كسر الباب وما أن دلفوا للداخل حتى عادوا جميعًا للخلف من هول المفاجأة بينما يضعون أصابعهم فوق وجوههم إتقاء الرائحة الكريهة المنتشرة بالشقة والتي تزكم الأنوف بينما توجهت أعينهم لذلك الجسد المسجي بأرضية الردهة نائمًا على بطنه بوضعية الزحف وكأنه يحاول فتح الباب بإستماتة بينما الوقت لم يسعفه لذلك .
بينما أتاهم صوت من إحدى الغرف البعيدة نسبيًا عن الردهة يقول بتوسل ورجاء إفتح الباب يا بني ويمكنك المغادرة إن كنت تخشى مني .
سأنظف الشقة من الزبالة فالرائحة لا تطاق وسأعد لك بعض الطعام الذي تحبه أردفت تقول بحب متأكدة أنك إشتقت كثيرًا لتناول الطعام من يدي .
تسمر الجميع في ذهول مشتتة أسماعهم ما بين صوت الأم الحزين القادم من الداخل وما بين أعينهم التي تطالع ذلك الجسد المتعفن لشاب بريعان الشباب والذي لا شك أنه قد مات بجلطة دماغية أو أزمة قلبية كان يمكن تداركها لو تم إسعافه بالوقت المناسب…
إنتهت
أيمن موسى

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.