محمد جراحي يكتب ضاع في الترجمة


ضاع في الترجمة

.
المكان:
كمين شرطه متحرك (مفاجئ) بين قريتين، بلا حواجز علي الطريق أو أي دلالة لشرعية وقوفه بهكذا طريقه بجوار الأسفلت المتفتت الردئ كطريق ضُرب علي فوهة بركان مستعر يؤدي الي الجحيم. فكأنهم قطاع طرق تحت الضباب الذي زفرته حنجرة السماء علي وجه الأرض متثائبة في اشمئزاز و يقفون خلف شجرة عتيقة ضخمة ذات أغصان متدلية كأنها شعر شيطانة نائمة علي فرعها الأعوج لتواريهم عن انظار العابرين في غفلتهم، القادمين نحوهم فيباغتوهم ويكأن القدر سيكافئهم لخبثهم هذا بأن يسوق إليهم المسيح الدجال فيقتلوه و يجنبوا العالم فتنته.

الوقت:
الساعه السابعه و نصف مساء. كادت السماء تنطفيء شمساً و يمد الليل يده لينير وناسة النجوم ، لتخرج ثعالب الليل من أوجرتها لتقيم حفل العواء علي شرف القمر المنير. و بدأ هواء الحقول البارد يحمل الندي و السقيع حتي أن ذكور الضفادع آثرت الصمت علي مناجاة إناث لهم ينتظرن الدفء.. تبا لهن أي دفء في مثل هذا الطقس البارد.

الشخصيات:

1: سائق الميكروباص.
النموذج الاعتيادي لمثل من يقود في هذا الوقت و هذا الاقليم. النموذج المحفور في اذهان رواد الميكروباصات و المواصلات عامه. وجه متجمد متجلد له لحية لا تنبت في وجه.. بل في رقبته و ذلك الشارب السميك الذي يتذوق الشاي قبل ان يراه الفم و كأنه حارس أمين علي ما قد يدخل أو يخرج لهذا الكهف المظلم الذي ما إن انفتح برهة….إلا و يبعث برسائل استغاثه و تحذير في نفس الوقت لكل ركاب الميكروباص بوضع منديل او اي شئ كان بمنتهي السرعة علي انوفهم نظرا لرداءة نوعية الدخان و السجائر الذي يستخدمه الرجل فضلًا عن رداءة الأطعمه التي يدخلها جوفه كل مدة فيأبيٰ جسده إلا أن يعذبه بها علي شكل رائحة كريهة للغاية تخرج من فمه و من جلده علي شكل عرق لزج منفر.

2: رجل الشرطة.
أنا لا أعرف معاني اي شئ من مصطلحات الشرطه. متي يكون الرجل عسكري او أمين شرطة أو ضابط أو اي شئ. كلهم بالنسبة لي. شرطه.. رجال شرطة.
و هو رجل يمكن ان يكون في نهاية عقده الثلاثين جسده ممتلئ بلا ترهلات و طوله يقترب من المترين إلا قليلا فهو أطول من كل الموجودين، يرتدي علي وجهه نظارة شمسية لون عدساتها أخضر بالرغم من الظلام الذي حل فمازال يرتديها ، تبدو علي ملامحه لأول وهلة… تذاكي و تفاخر و احساس بالعظمة المفرطة… كأنه يريد ممن يراه أول ما يراه أن تأخذه الرهبة و الدهشة كأن يقول “يا إلهي… شيرلوك هولمز او المحقق كونان ” و يطلق قلب كيوبيد و سهمه في الهواء ثم يسلم نفسه مع الأدله.. حيث انها لا داعي للمراوغه مع هذا الثعلب الماكر و المحقق الذكي و الشرطي العظيم!!

3: سيدة لا تتعدي الخامسة و العشرين علي اقصي تقدير.. طريقة ملبسها اعتيادية جدا، لا تكلف خاصة في طقس مثل هذا. لا شئ يلفت النظر إليها علي الاطلاق إلا شئ صغير بسيط.. .لم يلحظه علي ما اعتقد إلا أنا، إنه وجهها. ليس مشرقا او نورانيا و ليس عابسا أو به شئ يشينه، فقط لفت انتباهي و بالرغم من الثواني التي لم تتعد الخمس ثوان.. أنه وجه نظيف جدا. نعم، … كما قرأتم. وجهها كان نظيف جدا جدا جدا، لا أثر فيه لأي شاردة أو نمش او شئ زائد، علي غير عادة إناث هذا الاقليم.

4: ركاب الميكروباص. خمس أشخاص آخرين، فلم يكتمل عدد الركاب مع طول الانتظار. مما اضطر السائق للتحرك متأففا.

5: رجل في منتصف الثلاثينات. نحيف وجهه مكسو الشعر مهذب. تبدو وكأنها لحية كثيفه من بعيد و من قريب تراها لحية خفيفة كأنه يخاف الالتزام بها و يخاف أن يزيلها. ثيابه اعتيادية أملتها عليه ظروف عمله كمعلم. قميص تظهر ياقته و جزء صغير منه تحت چاليه من الصوف الرقيق و فوقهما جاكيت من القطيفه الخفيفه كلاسيكي و بنطلون من الچينز ليتفادي خلف سماكة قماشه لسعة البرد القارس! و ساعة في معصمه يلتف حولها و من بعدها سبحته التي يحتاج إليها في دقائق الراحه بين الحصص أو في وقت استخدامه للمواصلات للتنقل من المدينة التي يعمل بها إلي المدينة الاخري التي يسكن فيها . يحمل في يده حقيبة صغيره لأغراض شتي. يستخدمها تارة لحمل كتبه جيئة و ذهابا لمدرسته أمـا الان فهو يحمل فيها .. هاتفه النقال و جهازه اللوحي و كتاب يرافقه أسفاره و انتقالاته و مناديل ورقيه و أوراق ثبوت شخصيته و بعض من أموال تكفيه شر السؤال.
🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼
.
.
يبدأ المشهد قبل أن يتحرك السائق ليغلق باب الميكروباص الذي لن يغلق أو يفتح إلا من الخارج نظرا لقدم السياره و حالتها التي تحتاج للدفن حية أكثر من حاجتها للرفق في الاستخدام.
تقول السيدة وهي تسرع القول بأنها لن تدفع أكثر من الاجرة الاعتياديه لها فقط. حتي وان أجلسها السائق في المقعد الامامي بجانبه و ترك المقعد الأوسط بينهما فارغا كأنه يميزها…..

السيدة : لن أدفع إلا الأجرة الاعتياديه. لا شأن لي بهذا الكرسي الفارغ
السائق : لكن يا سيدتي أنا أرحمك من التكدس في الخلف أو الجلوس بجوار شاب سمج ثقيل
السيدة : لا يهم فأنا أعرف كيف ادافع عن نفسي وكيف أرد الكلام أضعافا كثيرة.
المعلم : يا رفاق. لا تختلقوا شيئا من لا شئ. إن السيارة بالفعل فارغه إننا بالخلف هنا ستة اشخاص في مكان يتسع لأربعة عشر.. .إن لم يعجبك المكان بجوار السائق تفضلي بالخلف. سيكون لك بمفردك بدل الكرسي ثلاثة. هيا يا صديقي.. دعنا نبدأ السير فلدينا جميعا ما ينتظرنا و نخاف التأخير.

” فتخرج بالفعل السيدة من الكابينة الأماميه و تجلس مع باقي الركاب تاركة السائق وحيدا ”
تبدأ السيارة في التحرك و بعد ثلاث دقائق او اكثر قليلا… تقف السيرة علي جانب الطريق فجأة و ينتبه كل من في السيارة ممن شغلوا بهواتفهم النقاله.

الركاب : ماذا يحدث! ما الامر! لم توقفت يا سيد؟
السائق : ألا ترون!! كمين
الركاب : هنا. في هذا المكان!! عجيب.. لم نر من قبل أي شرطة هنا. أهناك حادث وقع فوقفوا لينبهوا السيارات !!
ياسلااام …الشرطة في عهد جديد مع الشعب .

السائق : تمام يا افندم. حاضر. ” يقوم السائق بإيقاف محرك السيارة نهائيا و يبحث في تابلوه السيارة عن أوراقه ”
الشرطي : متأسف يا حضرات. من فضلكم علي كل منكم أن يظهر بطاقة تحقيق الشخصية.

يقف الشرطي بجوار الباب الامامي ينظر بعين واحدة داخل الميكروباص ثم يمد يده و كأنها يد جني محترقة تصاعد منها الدخان ليتناول البطاقات الشخصية مجتمعه .. و يبدا في نداء أسماء الركاب اسم اسما. مصحوبا بلكنة امتزج فيها الغباء بالنصاحه و الاستخفاف بالتصنع.

الشرطي : من فيكم أحمد عبدالله………! موظف بالمعاش. موالييييد ألف و تسعمائة و ثمانية و أربعووون. تفضل يا شيخ. لماذا تخرج في هذا الوقت وهذا الطقس يا رجل وانت في هذا السن ! أليس لك من أولاد يقضوا لك الحاجات!

الراكب : هم في أشغالهم يا ولدي. و انا لست في طريقي لشئ إلا لبيتي.
الشرطي : تفضل. تفضل . الذي يليه…..

و هكذا أدار الكلام مع الركاب الأربعة الاخرين تاركا السائق مع مساعده الاخر في الكمين يفحص أوراق السائق و أوراق السيارة .

الشرطي : الآنسه…!! لا داعي أن يعرف اسمك كل الركاب .فأنا أغار. أترين أنا رجل شرقي في النهاية، و لا احب ان يذكر أحد أسماء حريمي هكذا،فهكذا يصنع الرجال. ليس كشباب اليوم، لا حياء ولا مروءة.

السيدة : و لكن ما العيب في ذكر اسمي. انه ليس اسم قبيح ثم انك تقوم بوظيفتك فقط. ثم انني لست من حريمك حتي تغار او لا تغار.

الشرطي : عجبا! و أيضا عنيفه و قويه أنا أحب هذا النوع من النساء. تفضلي بطاقتك يا عنيف!!

المعلم : يا أخي ماذا تقول!! اتق الله. أنت من عملك أن تمنع التحرش فما بالك تمارسه! إن ما تفعله ان كنت تعتقد أنه ظرف يؤسفني أن اقول لك، هو ليس كذلك و ليس خفة ظل علي الاطلاق. قم بعملك في حدود عملك بدون إبداع.. ريثما أنه لا إبداع في عملك من الاساس.

الشرطي : و من أنت اذن أيها المبدع!! لم يبق الا بطاقتك. معلم. أي صنعة يا معلم.. معلم ابت…. مدرس يعني! مدرس ابتداااااائي. و ماذا كنت لتقول لو اصبحت مدرس ثانوي او دكتور في الجامعه. أرني ما تحمل في حقيبتك. اخشي أن تكون انت الارهابي الذي نقف في السقيع لأجله. أعطني الحقيبة.

المعلم : إرهابي!! هكذا اذن!! دعني إذن افتحها لجنابك حتي لا تزعج أناملك في فتحها. ” يقول ذلك خوفا أن ينركها للشرطي فيضع فيها شئ يحاسب عليه القانون خلسة” ولتساعديني يا سيدتي لنفرغها علي هذا الكرسي الخالي بجوارك لحضرة الشرطي. حتي يتأكد بنفسه و تتأكدوا جميعا أن ما أحمله لا يخيف ولا يرهب إلا الجهال.

” يفتح المعلم الحقيبة الزرقاء المصنوعة من قماش ضد الماء و يخرج منها هاتفه النقال و جهاز تابلت لوحي و كتاب وبعض الأموال التي لا تكفي شراء حذاء جلدي جديد يسير به في وحل الشوارع القذر و عطانة مياهها. و نوتة ورقية صغيره كان يستخدمها ليكتب بعص الاقتباسات مما يقرأ مثلما يفعل الاطفال في سنين سابقات لكتابة عدد ايات الحفظ و اللوح الذي يحفظوه عندما كان هناك الكتاتيب ”

الشرطي : ما هذا الكتاب! ما عنوانه؟ الفردوس المفقود ! أي فردوس يا هذا الذي ضاع ! ألم يكفك طول لسانك و جرأتك علي أسيادك. و ايضا تتطاول علي أهل السماء. هل انت ملحد! أنا أعرف هذا النوع. لا تغتروا بحلم الله عليكم

المعلم : ملحد! و أي فردوس قد ضاع!؟ هذا عنوان الكتاب “الفردوس المفقود ” تأليف چون ميلتون و ترجمه للعربيه حنا عبود. و چون ميلتون شاعر انجليزي هو عندي أعظم من شكسبير ولم أحب اي ترجمة عربيه لكتاباته و لكن حنا عبود قد ابدع و اقنع في هذه النسخه.

الشرطي : لا تراوغ و تتحدث كأستاذي الذي كرهته صغيرا بسبب لغته الغريبة تلك. و عندما رأيته منذ عام في كمبن كهذا جعلته عبرة لمن لا يعتبر و قضي ليلته في التخشيبة وهو لا يعلم بأي ذنب أخذته و لا لماذا تركته اليوم التالي. و انت الان تستخدم طريقته المستفزه هذه و لكنك لن تستطيع أن تثنيني عن حل اللغز الذي توصلت له. انت ملحد لا محالة

السيدة : كيف يكون ملحدا ! ألم يكن ارهابيا منذ برهة !! وكنت تبحث عنه!

المعلم : إذن إرهابي ملحد!! و لكن لن أكون إرهابيا إن كنت ملحدا و العكس. فالإرهابي له معتقد و مبدأ متمسك به فهو يقتل من أجل الجنة التي وعدها الله إياه. ولكن لمَ يقوم الملحد بالارهاب و هو رافض للتسليم بوجود الله من الاساس حتي يموت لاجل جنته!

السيدة : هل انت معلم ابتدائي فعلا!!

المعلم : نعم. أكيد

السيدة : هل ما تقوله الآن يدرسه الاطفال!

“يسود الصمت لثواني و ينظر المعلم الي هذا الوجه النظيف جدا و ينظر لوجه الشرطي و يدرك في لحظته أن إجابته ستحدد إما أن يتركهم الشرطي ليذهبوا جميعا أو يُنزله وحده و يتركهم ليذهبوا بدونه، فقرر أن يغير مجري نهر الحديث حتي لا يأخذه التيار للمجهول”

المعلم : هل تمتهنين عملا يا سيدتي؟

الشرطي : نعم بالفعل سؤال جميل. فتح الله عليك يا استاذنا يا جميل. ” و تتغير نبرة الشرطي للنعومه ”
هل تعملين؟ و أين؟ لأنه مكتوب في البطاقة حاصلة علي دبلوم ثانوي تجاري. و لماذا تعملين من الاساس؟ ألا يوجد في قريتك شبان أسوياء ليقوموا علي راحة الحريم. و أي حريم!!

السيدة : نعم أعمل. طبعا لي محل صغير في بلدتي. أنا ” ميكب ارتست ”

الشرطي : الله… يا لهذا الجمال!
اسمع يا معلم الابتدائي يا مربي الأجيال. اسمع الوظائف كيف تكون. أرتست.. طبعا فنانة. يليق بها الفن و الدلال.

السيدة : اذن هلا تركتنا نذهب فقد تأخر الوقت بنا جدا. و الرجل لم يقصد أن يضايقك و لا يحمل شيئا غير عادي في حقيبته بل كلخا اشياء غير ذات قيمة من الأساس و يبدو عليه ملامح الطيبة و الانطواء.

الشرطي : بل أنتِ هي الطيبة ذاتها. و لأجل عيناكي و هذا الوجه الصبوح سأتركه. ولكني أعدك إن قابلته ثانية لأجعله يعرف كيف يكون الملحد إرهابيا بل وكيف يكون الإخواني مرتدا. الان اخبريني عنوان محل عملك بالتحديد فأرسل معكم عسكري يكفيكم شر الطريق و حتي أطمئن علي وصولك.

” بعد دقيقه تسير السيارة مبتعدة عن الكمين. يسود الصمت المشوب بتنهدات تحرق و تفكير يطن طنين النحل في رأس المعلم. فتلتفت السيدة له و تقول للمعلم….

السيدة : لا تحزن فالمجتمع – ان تؤاخذني – لا يحترم كلمة معلم ابتدائي. ولكن والله ان كلامك الذي قد قلت يدل علي علم كثير كأنك مدرس جامعه. ثم انك انقذتني من سماجة هذا الشرطي الذي لا يعرف الفضيلة طريق. و جميع من في السيارة جبناء لم يرفع احدهم بصره و ما كلف نفسه عناء كلمة يقولها لله. تخيل انه انقذني معلم ابتدائي!

” تبتسم السيدة كأنها تنتظر أن يكون للحديث بقية مع المعلم و ترمي له شباك الكلام ليصطاد في نيلها ما شاء من معلومات و مؤانسة مدة طول الطريق بهم و التي سيطول وقتها بسبب هطول الأمطار الشديد مع الظلام الحالك فوق طريق تأبي الخنازير السير فيه”

المعلم : بل انقذتني ميكب ارتست!!
” تبا للترجمة ، كم صنعت مجدا من لا شيء ! “

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.