محمد النحاس يكتب حجر إختياري


قصة قصيرة ” حَجر إختياري ”

كانت ليلة كئيبة كمثيلاتها من ليالً مرت بصعوبة منذ ضَرب الفيروس بلادنا، لا أُكذبكم القول عندما سمعت عن أول حالة، أصابني الذعر فقد كنت متابع جيد لخط سير الوباء وضحاياه في الدول التي غزاها، لا أعلم حقيقة هل كان هذا شيئاً صحي أم ماذا؟
قبلها كنت ممن يحافظون على نظافتهم الشخصية، مثل كل انسان سوي، لا أكل قبل غسل يدي جيداً، يدي لا تلمس وجهي إلا………
أعتقد أنني كنت بصدد الكذب عليكم الآن، الحقيقة تلازمني عادة قضم أظافري بفمي منذ الصغر، وأيضا فرك عيني، غير ذلك يدي لا تلمس وجهي مطلقا.
عادات لم أكن لأتخلى عنها لولا هذا الوباء، أصابني وسواس، يداي كادت أن تصرخ طالبة الرحمة من غسلها كل بضع دقائق، لظروف عملي كنت مضطرا للخروج رغم التحذيرات ليل نهار بالتزام البيت، ولكن يبدو أن من يطلقون هذه التحذيرات لا يحيطون بالأُمور خبراً.
كنت أعود لبيتي وشعور يتملكني بأن الفيروس سيتخذني جسراً للعبور لأسرتي، ثيابي أًدثرها داخل كيس من البلاستيك مغلق جيداً، إذا كان الفيروس بالثياب فالأن هو محبوس حتى يموت.
أما لو كان يتخذ من جسدي مَسكنً، المياة المنسابة كافية لقتله، حرارتها ستقتلني شخصيا لو استمرت في التدفق لدقائق أُخرى، هاتفي وحافظة النقود. أعتقد أنهم أدمنوا الكحول.
أصبح هذا روتيني اليومي كلما خرجت للعمل حتى أنني كرهت الخروج ولكن ما باليد حيلة، فالأمر لم يكن بيدي.
تطورت الأمور والفيروس يتوغل وينطلق بحرية، ساعده في ذلك، الاستهزاء والاستخفاف بقدراته وأيضا الجهل، عادات من الصعب التخلي عنها في خضم المعركة معه، أفراح وعزاءات وتجمعات في المواصلات تضرب عرض الحائط بكل التحذيرات.
الفيروس دون مجهود يذكر وجد بيئة خصبة لتحقيق مراده، حظرت الدولة التجول ومنعت الخروج إلا للضرورة القصوى، لم أكن من هؤلاء الذين يستسيغون الفكرة، مخاوفي وتفكيري بالأسوء الذي يلوح في الأفق قد زادت، كنت وقتها أريد أن أحارب وساوسي، وعملا بالمثل الشهير، إذا أردت الانتصار على مخاوفك عليك بمواجهتها، لذا جئت هنا لأواجه مخاوفي وجها لوجه.


محمود سامي، مستشفى النجيلة….
أولىَ المشافي التي تحولت لعزل ضحايا كورونا، كان توزيعي عليها مع متطوعين آخرين، وبالمناسبة هذا اسمي وأعتقد أنكم لا يهمكم معرفة شيء أخر عني غيره.
منذ أول يوم في المستشفى والكل يعمل على قدم وساق في سباق مع هذا الوافد، في محاولة لدحره.
حرب ضروس، معنويات تكاد تعانق السماء عند شفاء أحدهم، وأحياناً تصل لأعماق الأرض السحيقة عند موت أحدهم، ارتباط غريب بين المرضى وبين كل العاملين بالعزل بداية من الأطباء وحتى حارس الأمن الذي كان يراهم تترا.
كان دوري يقتصر مع بعض رفاقي على جلب المرضى من بيوتهم للمستشفى إيذانا بعزلهم.
دور قاس الذي كنت ألعبه، كنت كالذي يجلب محكوم بالإعدام لتنفيذ الحكم فيه.
نظرات الوداع قاتلة، الخروج دون احتضان أحبابك قاتل، صغيرك الذي يتلهف لتقبيلك، دموع الحسرة، الخروج لمصير مجهول، كل هذه أشياء قاتلة.
يقولون أن خط الدفاع الأول ضد هذا الفيروس المناعة القوية، وقوتها تضعف من الخوف، إذا الأمر بسيط، اطرد الخوف وستقوى مناعتك وتنتصر بسهولة، ولكن كيف؟
إذا عرفت أنك مصاب، هل تستطيع ألا تخاف؟ حتى وإن كنت قوي ولا تبالي، خوفك من عدوى أهلك، أصدقائك.
كل من وصلوا هنا، كان الخوف يعرف طريقة إليهم، لذا كانت المعركة حامية ومحسومة مسبقاً.


كنت أٌدون كل شيء، ذكريات لابد أن تحفظ وتؤرخ.
شيء لا يحدث كل يوم، مهمتي منحتني الكثير من وقت الفراغ، التعليمات كانت صارمة، كل يلتزم بما وكل له دون التدخل في شيء آخر، لذا لا شيء أفعله إلا تدوين ما مررت به خلال رحلات جلب المرضى.
حالات كثيرة أحضرتها للعزل، حكايات مؤثرة لو تحولت لفيلم سينمائي، ستَغمر دموع المشاهدين قاعات السينما.
ناهيك عن الخرافات ونظريات المؤامرة التي انتشرت وقتها كالنار في الهشيم.
ذات مرة ثار أحدهم علي وسألني في حزم، هل حقا تقتلون بعض المرضى عمدا؟
ولماذا نقتلهم، سألته بدهشة.
سمعت أن هذا الفيروس مؤامرة تحاك من دول عظمى ومنظمات عالمية لإرهاب العالم، صحبها تهويل إعلامي يعظم من خطر هذا الوباء رغم ضعفه، ولكي تثبت اللعبة وتنطلي على العامة لابد من ضحايا، ولا شيء يرهب أكثر من الموت…
كان يتحدث كسياسي مخضرم ممن يعلمون ببواطن الأمور، أو هكذا يبدو رغم أنه لا يفقه شيء، ولكن لا أكذب عليكم كان لسؤاله وقع غريب، رغم يقيني من أنه يهذي، شعرت ببعض الخوف، ولما لا والتاريخ البشري مليء بمؤامرات لو سردتها لأحدهم ووقت حدوثها لنعتك بالجنون.
لم يكن هذا الرجل الأخير، فقد كنت أسمع حكايات غريبة من كل من أحضرتهم، تنبؤات غريبة، تحليلات أغرب، معلومات مغلوطة وأخرى خيالية تفضل أصحابها بتأليفها وتأويلها ثم الإيمان بصحتها، خطر كان أكبر من خطر الوباء ذاته.


شعور العجز صعب ومخزي، وكان أصعبهم أثرا على نفسي، تلك الليلة توجهت مع رفاقي في سيارة الإسعاف لإحضار مصاب وكانت المفاجأة، طفل لم يتجاوز الأربع سنوات، خرج معنا بسلاسة وبرباطة جأش لم أشهدها في كل من سبقوه،
سالم… هكذا ودعه والديه، اسم على مسمى، هكذا يتمنون.
رغم المسافة الطويلة بين بيته في أحد أحياء القاهرة ومستشفى العزل بمطروح لم ينبس بكلمة.
لم يترك الهاتف من يده، يشاهد فيديو تلو الآخر، يبدو أن والده ملأ ذاكرة الهاتف بأفلام الكرتون لتكون مؤنسة له في رحلة العلاج التي لا يعلم مداها إلا الله.
سالم، سالم!!!! ناديته لينتبه ولكنه تجاهلني.
رفع بصره قليلا ونظر تجاهي نظرة فاحصة، قبل أن ينظر مجددا لهاتفه ولا يعيرني انتباه.
سالم، ناديته بغضب.
ألم يعلمك والديك إحترام الكبير وإذا حادثك من هو أكبر منك تنتبه له وتجيبه.
نظر لي مجددا، وابتسم ببلاهة كادت أن تفجر غضبي.
وكيف أرد على ميت، قالها سالم ببرود.
ثورت عليه،ماذا تقول، يبدو أنك تهذي، أو أن المرض آثر عليك.
ضحك صديقي، وربت على كتفي.
إنه طفل يا محمود، ماذا حدث لك؟
ألا تسمع ما يقول؟ جاوبته بغضب.
إنه مجرد طفل ولا يعرف ما يقول، أرجوك لا تعيره انتباهك حتى نصل،

قالها صديقي وابتسم للطفل.
شعور غريب تملكني، تذكرت جثث الضحايا وهي تخرج بين الحين وآخر، قشعريرة سرت في جسدي، الأطفال دائما يعرفون ما لا نعرف ويشعرون بالشيء قبل حدوثه، إذا سأكون ضحية جديدة لهذا الوباء، الخوف يتسلل إلي تدريجيا، أختنق ويضيق صدري، لا أقدر على التنفس.
فجأة………فعلت أغبى شيء يمكن أن يفعله من في مكاني،
خلعت قناع الوجة لأتنفس، وفي نفس اللحظة كان الطفل المصاب يسعل بشدة، ليتطاير رذاذه على وجهي.


 

2 Comments

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.