آية الحسيني تكتب التجاوز


 

قصة قصيرة عن التجاوز


” – المصاب فادح يا يما ”
تسلسل الصوت الذي لا أعرف من صاحبه، بالأحرى صاحبته إلى مسامعي، قالت وهي تربت على ذراعي بينما استلقيت على فراشي خائرة القوى، مسبلة جفنيي، يقاوم عقلي الحزن بأن يصحبني في هلوسات تارة، و تارة يبدو كأنه يقطع عني تيار الحياة بأن يجعلني أخلد للنوم بغتة منفصلة عما حولى حفاظا على نفسه من الجنون.
بين الحين و الآخر بينما أفيق على أنبوب العصير الذي يدسونه في فمي بغرض تغذيتي ، استطيع تمييز استنكار النسوة أنني لا ارتدي الأسود ، في الحقيقة لم تواتيني فرصة لأن أبدل ردائي هذا منذ نهارين، منذ استقبلت مرسال المنية وسقطت صارخة فاقدة الوعي، حاولت النهوض ليلتها لأبدل ملابسي ولم تساعدني قواي، و لم يعرض أحد مساعدتي لكني حظيت بالاستهجان على أي حال.
العزاء كابوس ثقيل، فلا اقسي من توافد الوجوه و تلاسن المواساة الباردة المجاملة على قلب نازف، سريان النميمة الجافة ، و مرور الغرباء على منزل فقد واحدا، منزل علي الأرجح لم يزورونه قبلاً ولن يفعلوا ، لم يتوانوا حتي عن المطالبة بمتعلقات الفقيد طمعا في اي استفادة بذريعة الذكري، قسوة لا يضاهيها شئ، لذلك أول ما تفوهت به عندما وقفت بعد النهار الثالت ، ارجوكم دعوني وحدي، شكر الله تعازيكم.
في اليوم الأول بعد النهار الثالت، كنت خائفة من النهوض عن سريري، خائفة من لمس قدميي للأرض، يخيل لي أنها ستبتلعني داخلها لبئر الحزن غير ذي القرار، واني يجب على المكوث به متعلقة بغطائي، تسري الرجفة من وريدي الي الآخر، فأحاول الاستسلام للنوم، لكن الفقد يقض مضجعي، أضع يدي علي صدري فتنفذ إلى هوة، و يقول لي قلبي مرحبا أنا فقدت قطعة.
كان لابد لي من النوم ، لذلك تناولت حبة الدواء في استسلام، هاربة في منامي من كل هذا، لكن عقلي جاهدا في محاولات الدخول للنوم يحاول التهوين عليّ، لذلك سمعت موسيقي أخاذة لا أعرف مصدرها ولم اسمع مثلها ، ربما يعزفها لي شبح حنون رق قلبه لحزني.
في اليوم الثاني و كأني طفل يتعلم الخطوات، استطاعت قدمي الاستقرار على أرضية الغرفة، لم تميد بي ولم أقع، و خرجت الي المطبخ و تناولت الماء و بعض كسرات الخبز، خنقني الغثيان المصاحب للانكسارات، لكنني قاومته بعصير الليمون، و جلست على الأرض مستندة الي الحائط مستريحة الي برودته في هذا الحر ، و نمت.
في اليوم الثالت ،مشيت عبر الردهة الي حوض الاستحمام مستندة إلى صدري و كأنني أثبت قلبي في مكانه، أغتسلت و ارتديت ملابس نظيفة، و بدا لي أن ملابسي التي خلعتها محملة بالحزن بشكل لا أطيقه، فعمدت الي التخلص منها، مشطت شعري بصعوبة لتشابكه، و عقصته بشكل مرتب، أبدو احسن حالا رغم بعض الشحوب ، لا بأس بالقليل من المكياج، وصلت قطتي من صديقتي التي استضافتها ريثما استعيد عافيتي، وضعت لها الطعام و الماء، و غنيت لها حتي غفونا، و لم تصمت الموسيقي الخرافية مجهولة المصدر في عقلي، ولكن الرجفة بداخلي هدأت قليلاً.
في اليوم الرابع فتحت النافذة للشمس فغمرتني، خيل لي أنني و للمرة الأولى أشم رائحة الهواء ، و زارتني صديقتي وضمتني إليها بشدة، فبكيت.
بعدها توالت علىّ بعض ايام متشابهات، أدرت الغسالة لأتخلص من كومة الغسيل المتراكم، و نفضت الغبار، ولما شعرت بالجوع اشتريت ما احتاجه للطهي و أعددت الطعام لي وحدي، استغرقت في إعداد المائدة لشخص واحد وقتا أكبر من اللازم، و حزنا عميقا ، نحيت الكوب الزائد و المقعد الإضافي، كان هذا بمثابة الإعتراف بالغياب و التسليم به، الفراق موجع حقا، بكيت بشده، دموع الحزن سخيفة و ثقيلة و تصيب جفني بالتقرح، لكنها اهون من الشكوى الدفينة.
أدرت هاتفي علي المديح المحبب لقلبي، فوجدت الشيخ برين يصدح قائلا
“حتي اذا جاه روحه المنية ، قال هكذا الدنيا و كل من عليها فان”

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.