د. طلعت الدردير يكتب: أخلاق الرجال


 

 

رأيتها مترددة تروح وتأتي، حافية القدمين، مضطربة لا تستقر قدمها في موضع ولا يثبت قلبها على وقع نبض واضح، لم تمل عيناها البكاء ولم تجد لها مخرجًا إلا في حالة من التأهب والاستعداد لنيل المراد فور خروجه من بيته، ذلك الغني المترف الذي يسيل المال من جيبه كسيلان الماء من القدر المتشدق فاهه، رأيتهما وأنا جالس في شرفتي الصغيرة المدللة التي يبدو أنها لم تتسع في يوم من الأيام فأمدد فيها ساقي التي سئمت الانتظار، وفور خروجه انكبت العجوز علي يديه بعفة السائلة التي تحسبها غنيةً من تعففها عن السؤال، ولكن يكشف فقرها حالها، وترى عواقب الزمن في ضمور جسمها الهزيل الذي خاصمته الصحة والعافية، وهي ترغب من ذلك إظهار الولاء لشخصه والرضا والقبول بعطيته التي لم يفصح عنها بعد، ولكنه وبمجرد أن وقعت عيناه عليها تغير لون وجهه النضر واحمر من شدة الخجل، وجحظت عيناه يبحث عن مخرج من فرط ما وجد، ولم يتمالك قواه فخر هو منكبًا على يديها يقبلها وعلى رأسها يدرك منها بركاتٍ ونفخات، وسمعته يقول لها وكله خجل وحياء، وكأنه يهمس في أذني أنا: يا أماه كم أكدت عليك مرارًا ألا تنتظري أمام الباب، وأن تطرقي الباب وتدخلي فور وصولك، فهذا بيتك وأنا ابن من أبنائك، والمال مال الله ولا مانع لعطائه ولا متصرف في ملكه إلا بإذنه، وإنما أنا سبب من أسبابه، وعندها سمعتها تجهش بالبكاء وتنهمر دموعها لتروي الأرض من تحت قدميها فينبت الحُب والطيبة والحنان كله.
ونادى على عماله بكل حزم وشدة وأوصاهم بوصية تعني عندهم العادة: هذه أمي ولها ما أرادت متى جاءت ووقتما حلت معززة مكرمة لا تُمنع عن مجلسي مهما كانت الأسباب، فلا يُرد لها سؤال ولا يُخشى طلبها أو يُناقش مهما بلغ فلها ما تطلب وعلينا جميعًا التنفيذ.
مكثت لبرهة لا أصدق ما أرى وأسمع وكأني في جنة من جنان السماء مكتوب على بابها كل معاني البر والإحسان والخير ونبل الأخلاق وصفات أبناء الأصول الذين تربوا على إكرام السائل ومداواة الجراح وإغاثة الملهوف وطمأنة الخائف المضطرب، أغمضت عيني لبرهة من الوقت وتذكرت قول شيخ المسجد في خطبة الجمعة الماضية وكأنه حضر الموقف في علم الغيب وحدّث به، فقد قال في خطبته: هذا عطاء العبد وحسن استقباله لمريديه فما بالكم بخالقه ومن بث فيه هذه الصفات، ما بالكم بمالك الملكوت والمتصرف في ملكه الذي لا ينفد، ما بالكم بمن هو باقٍ ملكه متواصل عطاؤه سبحانه وتعالى، عظم شأنه وتجلت قدرته.
هنا بكيت بدمعة أبت إلا الإنصهار على وجهي فأذابت شح عيني التي بخلت بدموعها في كل ما مضى من مواقف وأحداث إلا هذا الموقف، والآن وجدت نفسي في ساحة الرقي النفسي والتفاعل المجتمعي والتلاحم المفضي لعزة المجتمع ورفعة أفراده إذا ما تربوا على مثل أخلاق هذا الرجل النبيل المعطاء.
د. طلعت الدردير

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.