محمد جراحي يكتب خلف الجدران


خلف الجدران

 

منذ أن فقد زوجته و هي تلد بنتا و التي قد فقدها أيضا بعد أمها بأسبوع واحد في حضانة المستشفي دون أن يحملها و لو لمرة واحدة بين ذراعيه, اعتاد أن يستيقظ كل صباح لعام قد مضي ليعيش جحيم الذكري بين جدران شقته التي كانت تخلو تدريجيا من كل مظاهر الحياة. كان يقاسي حتي ينتهي النهار في عمله و يحن الي الليل حتي يجلس فيه علي كرسي جلدي وحيدا في مواجهة الحائط المعلقة عليه صورة كبيرة الحجم لزوجته, يناجيها و ينتحب أمامها لانه لم يستطع أن يحميها و لا أن يحمي ابنته من الموت. و يظل هكذا حتي يغلبه النوم, و ذلك كل ليلة.
و في احدي الليالي, رأي أشباحا صغار القامة تقف أمامه , بينه و بين جداره المفضل.. فتملكه خوف و فزع شديدين و صرخ صرخة هائلة, فاختفت الاشباح الاربعة الصغار. و بعدما هدأ قليلا, ظهروا مرة أخري و لكنهم اتخذوا هيئة أطفال صغار حسنة المظهر بدلا من مظهرهم الاول كدخان أسود كثيف بلا ملامح. ابتسموا له ثم دخلوا بأجسادهم الصغيرة في الحائط و اختفوا. أما هو فقد فزع مرة أخري و ارتعد, و اضطر أن يقنع نفسه بأن ما يحدث مجرد هلوسة نظرا لعدم نومه ليلا أو نهارا إلا ساعات قليله متقطعه منذ موت زوجته و ابنته العام الماضي.
تكرر الامر في الليلة التالية و الليالي التي تلتها و أشباح الصغار هؤلاء تظهر له, تبتسم و تدخل الجدار و تختفي. و مع كل ليلة كانت ملامحهم تزداد له وضوحا و تزيد أطرافهم تجسدا و تظهر في عيونهم لمعة الحياة, حتي اعتاد عليهم و لم يعد يفزع منهم , بل بدأ يأنس بهم. فلما غابوا عن زيارته ثلاث ليال متتاليات أصابه الحزن مضاعفا حتي أنه بحث عنهم في الغرفات المغلقة منذ عام والتي اصبحت مسكنا للعناكب و الأتربة. و كان أحيانا يطرق بيده علي الحائط و يقول أين ذهبتم ؟ هل أغلق عليكم الجدار؟ هل انتم بخير؟
و بعد الليالي الثلاثة و قبيل الفجر, ظهرت له الاشباح الصغار يضحكون و كان لهم هذه المرة صوت مسموع , فتهلل وجهه لما رآهم و قال في لهفة أين كنتم ؟ قد افتقدتكم ! فضحكوا ضحكات أطفال أسرت قلبه و جعلته يشعر بشئ من السعادة و النشوة يعود إليه من جديد. ثم دخلوا في الجدار و اختفوا , فقام من كرسيه سريعا يلحق بهم خشية أن يغيبوا ثانية, فإذا بهم يطلون برؤوسهم الصغيرة فقط من داخل الجدار و يضحكون جدا كأنهم يلعبون معه. و تكرر الامر أكثر من مرة و في أكثر من يوم حتي بدأ هو أيضا في الضحك معهم كلما ضحكوا. و في احدي المرات خرجوا و وقفوا بين يديه و قالوا جميعا في صوت واحد بأربعة نبرات مختلفه و لكنها متناغمة بطبقات صوت مرتبة فوق بعضها البعض, ” العب معنا “. فقال لهم و ما لعبتكم؟ قالوا نختفي داخل الجدران, تعالي معنا فهناك خلف الجدران متسع لنا جميعا. فضحك قائلا و لكني لا أستطيع ذلك نحن لا نخترق الحوائط مثلكم. قالوا سنعلمك , فقال لهم لا يمكن فذلك مستحيل. فضحكوا منه و دخلوا إلي الحائط و اختفوا , ثم أطل رأس واحد منهم و هو يقول سنذهب الان فقد حان موعد النوم خلف الجدار و لكن سوف نزورك في الاحلام نعلمك كيف تخترق كل الحوائط , لا شئ مستحيل خلف الجدار, أنتم فقط من تصنعون مستحيلاتكم, نم جيدا.
استيقظ في صباح ذلك اليوم فرحا جدا بما تعلمه في حلمه و قام من فراشه نشيط علي غير عادته. أخذ حماما باردا و تناول إفطاره بنهم و بشهية مفتوحة. تأنق و تألق في ملبسه و أغلق باب الشقة من خلفه تاركا المفتاح معلقا في الباب. نزل السلم بخفة و رشاقه و سار علي قدميه يتجول بين الشوارع حتي وصل الي شارع جانبي تحفه الاشجار و لا تدخله السيارات و يكاد يخلو من المارة. نظر ألي إحدي العقارات ثم فجأة اندفع الي جادر هذا العقار بكل حماس و كان الاصطدام قويا أصابه في رأسه فوق حاجبه الأيمن فسال منه الدم مندفعا كتيار ماء يخرج من فوهة ضيقة و شعر بالدماء تسيل علي وجهه, فابتسم و رجع الي الخلف مبتعدا عن الحائط و كان يعد خطواته حتي بلغ عشر خطوات ثم توقف و استدار ليواجه الحائط مرة اخري و أخذ يهندم قميصه و ياقته ثم اندفع نحو الجدار مرة أخري بقوة جعلته يسقط أرضا و قد شج رأسه من منتصف جبهته, فقام سريعا و نظر الي الحائط و رأي بقع دمائه عليه فرجع للخلف كما فعل أول مرة يعد الخطوات بصوت عال و هو يفكر حتي وصل للرقم تسعة فتوقف و كان بعض الناس قد اجتمعوا مزهولين بما يحدث أمامهم فابتسم لهم كأنه ساحر يؤدي ألعابه السحرية و قال بدأ يلين قليلا, ثم اندفع نحو الجدار بسرعة قصوي فسمع في اصطدامه به عظمة أنفه تنكسر و ساعده و كف ذراعه الايسر كذلك , فقام ينظر للحائط و يقول نعم هكذا قد بدأ يضعف و عما قليل سيختفي. ثم يعود للخلف خطوات ثمانية يري الناس تزيد و قد شكلوا من حوله دائرة كبيرة تبدوا عليهم الدهشة, فيزيد في ابتسامته و يفكر قائلا دعهم في دهشتهم حتي اختفي في الجدار و حينها سأضحك عليهم من شدة الدهشة و العجب. و يندفع بقوته نحو الحائط فيصطدم و يقع و يقوم فيعود و يحسب الخطوات ثم يندفع حتي سمع عند الرقم خمسة صوت عظام صدرة تنكسر و تتهشم فسقط علي الارض من شدة الألم و ما كاد ينهض ثانية إلا أنه حين نظر بعينيه المتورمتين اللتين غطاهما الدم في سريانه, ليري الجدار قد اختفي تماما .. الان يستطيع أن يلعب معهم دائما و لا يودعهم أبدا. كل ما عليه فعله هو الوقوف مرة اخيره يقفز فيها داخل الجدار.
تحامل علي نفسه و زحف للخلف مبتعدا عن الجدار مسافة الخمس خطوات ثم وقف ببطء مستجمعا كل ما فيه من قوة , نظر إلي الحائط الذي اختفي فرأي شباكا واسعا له ستائر حريرية شفافه يداعبها النسيم و من خلفها شمس الاصيل بنورها الحاني الدافئ و صوت مياه رقراقه يأتي من بعيد. فنظر أكثر و هو مازال يستجمع ما بقي لديه من قوة و تصميم فرأي الاطفال يطلون برأسهم من الحائط الذي اختفي يقولون له اقفز الان بأقصي قوة حتي تسقط في النهر. فقال لهم أي نهر! قالوا النهر خلف الستائر , لابد أن تسقط فيه مباشرة حتي تغتسل من هذه الدماء علي جسدك و حتي يصلح النهر عظامك و جلدك و تعود جميلا , فعالمنا هنا لا يعرف غير الجمال و الكمال, أنت تعلمت اللعبة .. فهيا , اقفز الان بأقصي قوة , فلدينا ألعاب أخري كثيرة في الانتظار.
نظر ثانية إلي الستائر فوجدها تنفتح و رأي من ورائها شلالا يهبط فقال لابد أنه يهبط في ذلك النهر و أحس بنسيم قادم من خلف الشلال يدخل رئتيه , فأخذ منه شهيقا طويلا و خلع قميصه و ألقاه علي الارض مع كل المتعلقات الاخري التي حملها في جيبه, ثم اندفع صوب الجدار في قوة هائلة و بصرخات كلها شوق محموم و قفز من الشباك المفتوح إلي الشلال فرأي النهر في الاسفل أبيضا ليس لجماله مثيل قط , فأحس أنه طيرا فرد جناحيه علي امتدادهما فدخل الهواء تحتهما فرفعه إلي أعلي.
كان خفيفا جدا, و سعيدا جدا, ثم حين هبط في النهر و لمست مياه النهر العذبة جلده بحنان و رأفة , أغمض عينيه و ابتسم في ارتياح.
وجد أحدهم في حلقة المشاهدين ورقة ملقاة علي الارض بجوار قميصه المخضب بالدماء مكتوب فيها..
” أقسم لكم أن هناك حياة أخري خلف الجدران, أرحب من حياتكم بينها, فقط عليكم أن تتعلموا القفز .”
#Garrahi

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.