محمود حامد يكتب ورشة بولاق” الحلقة الأولى


 

………………………….
“ورشة بولاق”
الحلقة الأولى
أنا مخلص عبدالباقي، بعمل فني صيانة جرارات بالسكة الحديد، خريج هندسة سنة ٢٠١١ أيوه في نفس السنة اللي حدث فيها الثورة في مصر، لسوء حظي إني كنت آخر دفعة يتم تعينها، طبعاً هتستعجب وتستغرب وتقول مثل زوجتي : إن دى وظيفة كل واحد بيحلم بيها..
عندها حق مرتبي الآن وصل ٣٠٠٠ جنيه + حوافز سنوية
المرتب اللي يدوب مكفيني بالعافية أصلاً ، ساعات أقعد أفكر وأقول :
أنا إيه خلاني اشتغل في الحكومة أينعم ده كان حلم والدي لكن أنا فين من أحلامى وللأسف حققت حلم والدي الله يرحمه وحلمي لسه ماتحققش، صدقني أنا معرفش هو إيه حلمي بالظبط، لأن في دوامة الحياة كل شيء بيتوه، وده اللي حصل وتوهت من أول يوم دخلت السكة الحديد، فاكر أول يوم استلمت فيه الشغل، أنا فاكر كويس إنه كان واقف تحت المظلة اللي قدام باب الهيئة في اليوم اللي روحت استلم فيه الشغل، كان الجو حار جداً، 12أغسطس اليوم ده صعب أنساه، بابا أخدني بالحضن أول ماخرجت، ماكنتش مصدق، قال لي :
أنا فخور بيك إنك حققت حلمي.. وقال كلام كتير أووي.
ومديري في الشغل اتصل وقدم واجب العزا في بابا بعد أسبوع وقال بنفس النص :
أنا اختارتك من ضمن خمسة وواثق إنك هتقدر تقدم حاجه للبلد..
مش عارف ليه حسيت وقتها إنى داخل على مهمة انتحارية، هي فعلاً كانت مهمة لكن شبه انتحارية مازالت متواصلة لحد دلوقت.. فكرت كتير أسكت وما اتكلمش لكن أنا بقالى كتير ساكت، تعبت نفسياً ومش قادر.. مش قادر أكمل في الشغل، وخايف أقول لزوجتي تقول علي مجنون، لكن أنا مش مجنون واللي بشوفه كل ليلة في وردية 12 حقيقة مش هلاوس، هم تقريباً 12 بردوا حاسس بيهم، وحاسس إنهم قريبين، النهارده قررت أنزل الوردية بدري مش علشان أجهز تقرير “الجرار” الجديد ذي ما قولت لمهندس الحركة، أقوله إيه :
إن أنا جاي بدري علشان أركب كاميرات مراقبة.. مش بعيد يبلغ عني وأنتم عارفين الشرطة بلدنا ما بتصدق..
مضيت حضور في الدفتر بسرعة ونزلت والشنطة في ضهري كنت بجري بسرعة عايز أوصل للورشة قبل 12
ماهو ده معادهم، كنت بمضي حضور وزميلي ” رفعت أبو النجا” بيمضي انصراف قبل معاده بساعة، وقتهااا ضحك وقال لي :
أنت ابن حلال.. النهاردة الخميس وكويس إنك جيت بدري.
وكأن الخميس حلال عليه وحرام علينا، مش مهم بدأت اركب في الكاميرات اللي اخدتها من صاحبي وده طبعاً بعد معاناة كبيرة علشان يوافق يأجرهم لمدة ليلة، حجم الكاميرا الصغير وطريقة التثبيت المغناطيسية جعلتني أنهى كل شيئ، وبسرعة أخدت مكاني على المكتب المقابل لباب الورشة، إحساس إنك منتظر عدو ومتأكد إنه جاي صعب قوي، إحساس بشع إنك مش قادر تكلم ولا تقول..
ياترى حد شافني وأنا بركب الكاميرات؟
هم ممكن يكونوا شافوني؟
لا لا لا دايماً حضورهم بيكون على 12، بيبدأ ظهورهم عند السنافور اللي بيفضل ينور بإشارة حمراء لمدة 12دقيقة أيوه آخر مرة وأنا مرتبك كانت الساعة 12:12 بالظبط، شئ غريب كل حاجه بتحصل بعد العدد12، حضورهم، عددهم، حتى السنافور، جسمي كله بينمل وتلقائي بفقد الحركة لدقايق، الساعة عدت 12وربع غريبة هم فين مفيش أى حركة ولا صوت يا ترى مش عايزين يخرجوا علشان الكاميرات ممكن، لكن أنا عايز أثبت للجميع إنى صح وأول حد هي زوجتي علشان تبطل تقول علي مجنون تاني، أنتم فين بقى اخرجوا..
أول مرة أتمنى فيها إنهم يخرجوا، هم أينعم بيلاعبوني وبيعملوا حركات تعفرت ذي مثلاً شنطة المعدات إللى بلاقيها كل دقيقة مش مكانها، والجرار إللى أنواره بتشتغل وتطفى كل دقيقة، يا ترى أنتم فين؟
الساعة دلوقت ١٢ونصف حاسس ببرد شديد، هقوم أعمل شاي وأرجع..
مش معقول التوتر ده.. أجمد يا بطل، ما هو مش معقول ثمن إيجار الكاميرات يروح هدر كده، هم أكيد شعروا بوجودي قبل 12 ووممكن يكون حد فيهم شافني وأنا بركب الكاميرات ده التفسير الوحيد لعدم خروجهم كالعادة..
أيه ده إيه الكلمات دى؟
الجرار كله مكتوب عليه حروف وشخبطة غريبة.. ده ده دم، أيوه دم كلمات مكتوبة بالدم..
التليفون فين؟
لازم أصور الكلام ده، التليفون وقتها وقع من إيدي وأنا بصور وسمعت صوت صياح كتير وبسرعة قدرت أخد صورة مهزوزة للكلمات قبل ما تتمسح ويرجع كل شئ لأصله، مش عارف هم ليه كتبوا الكلمات دى وإيه المخزى من وراها، وليه مسحوها بسرعة؟ يمكن لأن الأسطى إبراهيم كان وصل في الوقت ده..
لازم أخرج له لكن هقوله إيه وهو بينادي علي بقاله كتير.. أيوه هقوله كنت بأمن سلك الإشارة مش مهم هقوله أي حاجه أنا مش عارف ليه هو هنا..؟
طبعاً كالعادة هيهزر هزاره السمج لكن لازم استحمله عايز الليلة دي تعدي علشان أقدر أجمع الكاميرات تاني قبل الفجر..
هزاره وتلميحاته كانت غريبة قال لي :
– مش عارف أنت بتقدر تستحمل وردية 12 إزاى، أنا من يوم ما عم منعم مات هنا وأنا بقيت أخاف أشتغل في الورشة وطلبت نقلي للإدارة..
أنا سكت لدقيقة ومعرفتش أرد قولت في نفسي أكيد بيهزر كالعادة، بعدها سألته :
– عم حسين مين؟
رد بضحكة ملهاش معنى شبهه وقال:
-اسمه منعم مش حسين وده المهندس إللى قبلك اتقتل هنا..
سابني ومشي من غير ما أسأله هو كان جاي ليه، الدنيا كانت بتلف في عيني فكرت في ١٠٠ حاجه في نفس الوقت واتمنيت الأرض تبلعني وبعد خمس دقايق كنت جمعت كل الكاميرات، الليلة دي عدت علي بصعوبة حسيت إن هموت قريب الفجر أذن، معرفتش أصلي من الفكر ومع ٨ صباحاً كنت جمعت كل شئ في شنطتي وقررت إنى لازم أزور أسرة عم منعم علشان أعرف الحقيقة، ياترى بكره مخبي لك إيه يا مخلص..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.