شكرًا والدي.. تكتبه خولة الحساني (تونس)


أشكرك يا والدي على كل ما قدمته لنا..

أشكرك على كل تلك الذكريات الغريبة..

هل تذكر يوم قررت الطلاق لأن أمي تريد تحسين البيت؟ أنا لا أذكر ذلك لكنني سمعت أمي تشكو إلى خالتي وتحدثها عن ذلك حيث سمعتها تقول: أنه سئم محاولاتي في إقناعه لتحسين البيت لأنني أخاف الحشرات والزواحف السامة التي لطالما وجدناها داخل الغرف.. ثم تراجعنا لأننا رأينا ابنتنا تبكي.

لقد كنت أنا تلك الطفلة الباكية…

هل تذكر يوم اُعتدي علينا من قبل أقاربك.. كنت دائما في المقهى تلعب القمار ونحن صغار نبكي في البيت وتحتضننا أمنا خائفة من هجوم أقاربك علينا ومحاولة ابن عمك الدخول إلى بيتنا عنوة.

أم تذكر يوم اعتدى ابن ابنة عمك بالعنف على أخي وهو لا يزال طفلا صغيرا ولم تحرك ساكنًا، أم زوجة ابن عمك التي ضربته هي الأخرى وهو أصغر سنا وعندما قررت أمي أن تقدم شكوى بها هددتها بأنك ستشهد معها ضد ابنك ويوم ضربته زوجة أخيك أمام عينيك وأنزلته من الدراجة النارية ووضعت ابنها مكانه وأنت ساكن لا تتحرك

ثم.. ثم هل تذكر يوم أن حاول ابن عمك دهسي مرتين بشاحنته الكبيرة لقد كنت في الثانية عشر من عمري لقد خفت يومها كثيرًا لكنك لم تخف ولم تحرك ساكنًا.

عائلتك كانت كالكابوس لنا، تخيفنا وتعتدي علينا، كنا كصغار الأرانب التي تهرب من الذئاب إلى جحورها.. ارتجفنا من الخوف، وأنت لم تحرك ساكنًا.

لقد قررت الطلاق من أجل الطعام، من أجل اللاشيء.. فما هي الا غريزة نتشاركها مع الحيوانات.

لطالما كنت كالصنم الذي لا يسمن ولا يغني.. كنت دائمًا عاجزًا على أن تكون السند.. كنت سند الجميع إلا لفلذات أكبادك.

أما أنا لا أذكر… لا أذكر بأنك خرجت يوما في نزهة معنا كعائلة سعيدة بل في كل نزهة كنت تتشاجر مع أمي لأنها لم تطبخ لك الأكل.

لا أذكر أنك أنفقت علي أو على إخوتي يوما.. لا أذكر أنك اقتنيت لي فستانا مهما كان ثمنه بخسا، لا أذكر يا والدي العزيز، لا أذكر أنك أحببتنا يوما ولا أذكر أننا أحببناك.. لا أذكر يوما كنت لنا أبا.

لقد كبرنا يا أبي كبرنا ولاتزال أنت كما كنت… لا تفكر الا في إشباع بطنك، وأمي لا تفكر الا في تحسين البيت.

جعلتني فتاة قوية لا تستند على والدها لأنها لم تعتد ذلك، بل تعلمت من نفسي كيف أحافظ على نفسي؛ لذا فأنا لست كباقي الفتيات.. أنا الأقوى بينهن.

تتوالى الذكريات بغير نظام أمام عينيَّ كشريط لفيلم مقتبس من الواقع.

شكرًا لأنك والدي، شكرًا لأنك لم تكن أبي، شكرًا لأنك جعلتني لا أعرف للحب معنى ولا أعرف شعور أن تكون مدللة الأب، شكرا لأنك جعلتني أعيش اليتم و أنت موجود.

خولة الحساني

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.