شريف الحلواني يكتب الحب


 

************* الحب *************

كانت تجلس يوميا في مقهي راق ، من الساعة الثامنة الي العاشرة ، تطالع الجرائد وتحتسي القهوة ، ترتدي فساتين زاهية الألوان مكشوفة الصدر والذراعين ، لم تكن تعبأ بنظرات الرواد الي ذلك الاخدود الغائر الذي يبدو من فتحة الفستان ولا عبارات الغزل التي كانت اقرب الي التحرش في بعض الأحيان ، لم تكن تعبأ بتلك الجرائد القديمة ولا المجلات التي طالعتها مئات المرات ولا لتلك القهوة المرة ، فقط كانت تعبأ بالشخص الوحيد الذي لم يدرك وجودها ولو لمرة واحدة علي مدار عام كامل ، يجلس يوميا في نفس المكان يحتسي نفس القهوة ولم تعد تذكر هل تشربها مُرة لأنه يطلبها هكذا ام انها كانت في الأصل تشربها مرة ، حاولت مرارا ان تتقرب اليه ، بعض النظرات الساحرة مع ابتسامة خلابة ، لكنه لم يكترث ، فشعرت بوخز عارم بل طعنة في كرامتها ، فقررت التوقف عن الذهاب للمقهى ، لكنها لم تستطع ، فقررت الجلوس اليوم علي طاولته لتتحدث اليه وجها لوجه دون مقدمات ولا ابتسامات ،
مضطربة دقات قلبها منذ ان اتخذت ذلك القرار ، شعرت فجأة انها تود التراجع لكنها تبغض التراجع ، واحتارت امام مرآتها أي فستان ترتدي ، انها بيضاء كالثلج ، انه الأسود اذن ، لكن الأسود لا يليق بالصباح ، الأحمر ؟ لا لا انه لون صارخ سيزيد من توترها ، الأصفر جميل لكن البعض يعتبره مبالغا فيه ، اذن ترتدي الارجواني ( الكوبلت ، البنفسجي الداكن ) سيليق بالصباح وستبدو فيه متألقة ، لم تضع احمر شفاه فقط قامت بتحديدها ، بعض من كريم الأساس لإخفاء النمش الذي لا يكاد ان يُري ، وازدادت عينيها اتساعا علي اتساعهما بذلك الكحل الأسود ، واحتارت للمرة الثانية أ تربط شعرها ام تتركه منسدلاً يداري بعضا من جمال كتفيها ، ثم قررت ربطه من الخلف فقط ، بعض رشّات من العطر الثمين الذي يدوم اثره لساعات وربما لأيام ، ونظرت الي نفسها في اعتداد وشموخ ، انها اقوي من ان تُقهر ، اصلب من ان تُكسر وارق من ان تُلمس ، وهناك في المقهى كان جالسا في يده الصحيفة وفي الأخرى فنجان القهوة وهي عند الباب ، يكاد قلبها ينخلع من مكانه ، يرج جسدها رجاً وهي تكاد تفقد توازنها عند العتبة الاولي ، لكنها تذكرت صورتها عند المرآة واعتدادها بنفسها وشموخها ، فلملمت ما تبقي من شجاعتها وفي خطوات ثابته توجهت الي طاولته ووقفت امامه وملء عينيها ابتسامة تلين لها اعتي القلوب،
– صباح الخير سيدي ، اري هذا المقعد شاغرا من عام مضي ،
أتسمح لي بملئه ؟
قالتها ورأسها مرفوعة ودون ان تحري جوابا سحبت المقعد وجلست ، وبكل الجدية ينظر اليها ، لا يبدو علي وجهه أي رد فعل لتصرفها ، فقط ينظر اليها بملامح جامدة ؛
ينتشلهما النادل يسألها عن طلبها
-كالمعتاد سيدتي ؟
فأومأت برأسها مبتسمة ، فانصرف النادل ، وبتلك الابتسامة التفتت اليه
– تسمح نتعرف ؟
صمته مرعب ، هل تُراه اصم ؟! لحظات صمته اشبه بغمسة في الجحيم ، لكنه لم يصمت بما يكفي لإغضابها ، فأجاب بنفس جدية ملامحه
– مؤمن ، صاحب شركة استيراد وتصدير
ثم عاد لصمته ولكنه لا يزال ينظر اليها ، كم كان صوته عميقا هادئا ، يحمل رنة تدغدغ قلبها ، فانتبهت لصمته ، قد جاء دورها ، وبهدوء مفتعل
– ريهام ، مديرة دعاية وإعلان
وعاد الصمت يخيم عليهما ، كيف تكمل مهمتها ، عن ماذا تسأل ، لماذا لم يسألها عن سبب التطور وجلوسها عنده ، تكاد تختنق تريد أي شيء ، أي كلمات تنطقها ، لكنها غُلِّقَت ، وذهب كل الكلام من رأسها ،

كان ذكيا بما يكفي لفهم صمتها المفاجئ، انه الاضطراب الناتج عن جمود ملامحه ، فهو لم يبد مرحبا بما يكفي لبث روح الالفة في نفسها ، فبادرها هو قائلا في برود
-انا أيضا الحظ ان المقعد المقابل لك شاغرا منذ عام
هنا سكنت نفسها واطمأنت فأخذت نفسا عميقا ، انه يراها و يلحظها ويتبع حضورها وغيابها ، ويعلم انها وحيدة ، لكن لماذا مر عام كامل دون ان يتحرك ، هل في حياته امرأة اخري ؟! هل هو متزوج ! وهنا لم يكد يمر بخاطرها هذا السؤال حتي انتبهت انها طوال عام لم تنظر الي اصبعه ان كان يحمل خاتما ام لا ، وفي جزء من الثانية كاد قلبها ان يتوقف قبل أن تبرز يده من جيبه ويخرج هاتفه ، يده اليسرى فارغة ، واتسعت ابتسامتها حتي بدت اسنانها ناصعة البياض من خلف شفاهها القرمزية ، فقالت
-يبدو انك تلحظ مثلي غياب الرفيق
لكنه كان منشغلا بقراءة رسالة ما علي الهاتف فلم ينتبه لعبارتها ،
-عفوا سيدتي ، انشغلت للحظة
لكن انشغاله لم يؤثر كثيرا علي فرحتها بما وصلت اليه ، فتجاهلت سؤالها وسألت سؤال غيره ،
– هل العمل في مجال الاستيراد والتصدير مربح ؟
كانت تلقي السؤال وكلها لهفة ان يتجاوب معها ، ان تستشعر شيئا من الالفة في حديثه وتلك النبرة الرنانة التي تحمل الكثير من الثلوج في طياتها ، لكن تبا ذلك السؤال سيفسر علي انها امرأة مادية تحب المال ، كيف تكون بهذا الغباء ،
واحمرت وجنتاها وتمنت لو ان الأرض قد انشقت في الحال وابتلعتها ، فبادرته قبل الإجابة بالاعتذار
-عذرا سيدي لم اكن اقصد من سؤالي سوي تجاذب اطراف الحديث
وهنا في تلك اللحظة بدأ الجليد يذوب ، ونظرته الجامدة بدت عطوفة حانية غامرة الي ابعد الحدود ، يا الهي كم جميلة عيناه ، كيف يخفي هذا السحر خلف تلك النظرات الجامدة ، لم يرفع عينه عن عينها وهو يبتسم ويقول
– لا عليك يا سيدتي ، انا لا احكم علي الناس من مجرد كلمات ، فانا لا ادري ما الحالة النفسية الداخلية عندهم حين نطقوا بها ، انا ادع المعاملات تثبت بجدارة كلماتهم
لم تشعر معه بالوقت ، قد حان موعد انصرافهما ، ولترفع عنه الحرج قامت بالنظر في معصمها الي ساعة ذهبية انيقة تبدو كسوار ، فقالت بنبرة منزعجة رغم محاولاتها الجاهدة في اخفائها
– انها العاشرة
فبادرها قائلا
-هل سيكون مقعدك شاغرا غدا ؟
فأجابت بابتسامة ملئها الحب
– كلا
انتهت

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.