محمد جراحي يكتب انتحار مع سبق الاصرار


انتحار مع سبق الاصرار

 

أحكي لكم قصتي و لا انتظر منكم تعاطفا و كذلك لا أنتظر منكم حكما. اسمي هيكل رمزي سليمان, لدي مجموعة شركات في مجالات التجارة المحلية. سأبدأ لكم قصتي من مكتب النيابة قبل عام و نصف العام, هيا بنا و لتظلوا منتبهين..
” دعنا لا نهدر مزيدا من الوقت في الحديث عن الدوافع و كل هذه الاشياء التي لا طائل منها, فوقتي ثمين جدا. أقول لسيادتك أنا برئ, و ليس هناك أي دافع لأقوم بمثل هذه الجريمة التي تصر سيادتك علي إلصاقها بي و ليس هناك من شاهد قد شهد ضدي, كما أنه ليس لديك أي دليل آخر يجعلني موضع اتهام, ثم إني لماذا قد أقتل زوجتي! حقا أتعجب من توجيه هذه الاتهامات لي. قد كانت صديقتي قبل أن تكون زوجتي, لم نفترق أبدا, بل أقول لك أننا لو أدخلنا سنوات صداقتنا منذ أن تقابلنا في حساب سنوات زواجنا لوجدت أني عشت مععها مايقرب من ثلاثين سنة, ثم أنتم الآن تتهمونني بقتلها, بالله هل يعقل ذلك!”
كنت يوم رحيلها عن عالمنا قد أعددت لها مفاجأة بأن نقضي شهرا كاملا في تركيا لنجدد نشاطنا, و تستطيع سيادتكم التأكد من مواعيد حجز التذاكر و الفندق كما وضح و قدم لكم المحامي من اوراق تثبت ذلك. كنت أنتظرها ليلتها في المنزل حتي تعود من زيارة إحدي صديقاتها التي اعتادت التردد عليها مؤخرا لكي أفاجئها بذلك الحجز و قد طلبت من الخادمة أن تعد لنا العشاء الذي تحبه زوجتي و وضعت بعض الشموع علي المنضده و بجوار طبقها وضعت كأسا فارغا و بجواره زجاجة من النبيذ الاحمر الفاخر, حتي أني طلبت من الخادمة ألا تذهب لحجرتها المنفصلة في حديقة المنزل و لتبقي مستيقظة في المطبخ لربما طلبنا منها شيئا اضافيا, فكما تعلم أن النساء دائما ما يفاجئوننا نحن الرجال ببعض الطلبات الغريبه التي تخرج من اللامكان و انت لا تدري كم كانت زوجتي غريبة الاطوار متقلبة المزاج خاصة منذ بلغت الاربعين. ثم صعدت إلي غرفتي بعد تناول العشاء و لما طال بي الانتظار عدت لحجرة الطعام لأجدها ملقاة علي الارض جسدا هامدا. و أعتقد أن هذا ما قالته الخادمة أيضا اثناء التحقيق معها أمام سيادتكم.
قال المحامي لوكيل النيابة أعتقد أنه لا حاجة لاحتجاز موكلي علي ذمة التحقيق أكثر من هذا, فقد مضت عليه ستة عشر يوما في الحجز و حيث أنه لا توجد أي دوافع أو أي أدلة تدينه و لا ننسي أن موكلي رجل أعمال له شأنه و ثقله في الدوله و قد كان متعاونا الي اقصي حد حتي انه يرفض ان يتقدم بشكوي ضدكم بسبب احتجازه الذي لا نجد له مبرر و ذلك لا لشئ إلا لأنه برئ و يعلم انكم حريصون علي تحقيق العدل و لذلك اطلب الافراج عنه الان.
اعتدل وكيل النيابة في جلسته مشيرا إلي الكاتب أن يكتب ” أمرت النيابة باخلاء سبيل المدعو هيكل رمزي سليمان بضمان بطاقته نظرا لعدم كفاية الادله. تم حفظ القضيه رقم 11 بتاريخ الخامس من يونيو و تسجيل الحادث :انتحار فردي بلا أي شبهة جنائية. أغلق المحضر في ساعته و تاريخه.”
كان هذا ما حدث في مقر النيابه و هذ كانت أقوالي في محضر القضية منذ عام و نصف العام. دعوني الان استرح قليلا و احصل علي دش دافئ و اتناول قليلا من الطعام, ثم أقول لكم ما حدث ليلتها بالتفصيل….
بعدما أعددت العشاء و جهزت المائدة , أطفأت الانوار الأساسية و تركت ضوءا خافتا ينبعث من بعض المصابيح الكهربائية الصغيره الملونه في جنبات الصاله مع ضوء الشموع المشتلعه فوق المنضدة فكان المنظر خلابا يبعث علي الراحه و الاسترخاء كأنك تشاهد انعكاس القمر مع الاضواء الملونه علي صفحة النيل في ليلة شتوية هادئه.
دخلت زوجتي من الباب و أغلقته الخادمة من بعدها و كنت في استقبالها بكل الود و الابتسام و أشرت للخادمة أن تحضر الطعام دافئا و تضعه علي المنضدة بسرعة و بالفعل قامت بذلك ثم انصرفت الي المطبخ كما طلبت منها آنفا. قمت بسحب الكرسي داعيا زوجتي للجلوس ثم جلست في الكرسي المقابل لها. كنت قد خبأت تذاكر السفر تحت الفوطة الصغيرة البيضاء بجوار طبق اللحم الخاص به الذي تحبه حتي اذا ما همت بتناول الطعام رأت التذاكر فتكون مفاجأة سارة. لكنها لم تمد يدها الي الفوطة علي غير العادة و شرعت في تناول الطعام دون أي كلام. فبدأت أنا الحديث و قلت لها ما بك؟ هل انت بخير ؟ هل صديقتك بخير؟ فأنت تبدين متعبه و وجهك شاحب كأنك كنتي تحملين أثقالا أو تعدين في سباق مائة متر ! لكنها نظرت الي فقط و لم تتكلم ثم نظرت مره أخري في طبقها و استمرت في تناول الطعام. فبادرت بالتحدث ثانية و قلت لها أعرف جيدا أن هذا الشهر كان سيئا لي و لك, فقد كنت مشغولا في عملي كما تعلمين فقد افتتحت فرع جديد من شركاتي في السويس و الذهاب من القاهره الي السويس يوميا لأمر مرهق جدا ذهنيا و بدنيا. أعلم أنني مقصر في حقك كزوجة منذ أكثر من شهرين أو ثلاثه و لكن كما تعلمين ضغوط العمل و التجهيزات للشركة الجديده و القلق الشديد بسبب عدم استقرار السوق بالاضافه لأحوال البورصة الجنونية , كل ذلك مجهود بدني و ذهني يؤثر علي كل شئ. حتي أني رأيت الطبيب و قال انها مسألة ضغوط عصبيه لا شئ عضوي و بمجرد أخذ قسط من الراحه ستعود الأمور لطبيعتها و سأعوضك عن هذه الفتره.
و لما وجدتها لم تلق بالا لما أقول و مازالت مستمره في تناول طعامها بنهم شديد, قلت لها هل انت جائعه الي هذا الحد الذي جعلك تملأين طبقك مرتين ! إذن سأصب لك بعض النبيذ في كأسك.و عندما قمت من مكاني و وقفت جوارها لاسكب لها بعض النبيذ لتشربه لاحظت شيئا غريبا علي رقبتها و تحت ذقنها و فوق الحنجره كذلك, كانت بقع حمراء ! فقلت لها ما هذا يا حبيبتي ؟ هل انت مريضه ! أهذا طفح جلدي ! فارتبكت جدا و أوقعت شوكة الطعام من يدها ثم أخذت الفوطة لتمسح أثر الطعام الذي أسقطته علي ملابسها و لم تلحظ وجود تذاكر السفر بالرغم من لونها الملفت و حجمها الكبير, ثم وضعت الفوطة فوق التذاكر ثانية و لم تلحظ وجودها ثانية ! مدت يدها المرتعشه لكأس النبيذ و تناولته كله جرعة واحدة و هي صامته . فأعدت عليها السؤال , هل هذا طفح جلدي أم أنها قطة صديقتك ثانية؟
فالمرة السابقه كانت هذه القطة الشقية قد تركت علاماتها أعلي ذراعيك حتي أن أثر أظافرها – أقصد مخالبها- مازال واضحا إلي اليوم. و الآن هذه العلامات الملتهبة في رقبتك ! يبدو أنها قطة شقية و خطيرة ! يجب أن تطلبي من صديقتك هذه أن تذهب بقطتها لطبيب يراها ليجد حلا لهذه العدوانيه.
ثم رجعت الي مكاني و بدأت أتناول طعامي بهدوء. و مع تناول رشفة من كأسي قررت في داخلي أن يكفي هذا مادامت بكل هذا الجمود , و قررت أن أكشف أوراقي و أصارحها بكل شئ و ليكن ما يكن. قلت لها , قد وجدت شيئا غريبا في دولاب الملابس بينما كنت أرتدي بيجامة النوم قبيل مجيئك بدقائق. كنت سأسألك عنه بعد العشاء في حجرتنا بعيدا عن آذان الخدم, و لكن صمتك و جمودك و هذه اللامبالاه منذ عدتي من الخارج و عدم ملاحظتك أيا مما فعلته إلي الان , جعلني أفكر أنه لا فرق بين المواجهة هنا أو في حجرة النوم. أحاول تجنب هذا الحديث معك منذ شهرين مراعاة للظروف و لكن بما أنك صامته فلتبق هكذا إذن و لتحافظي علي هذا الصمت و سأتحدث بهدوء حتي لا تسمعنا الخادمة فتصبح صورتك أمامها صورة انسانه حقيرة.
نعم .. كما سمعتي – حقيرة – ما هذا الشئ ؟ علبة دواء بها أقراص منع الحمل! نعم اندهشت أيضا مثلك تماما. لماذا تتناولين تلك الاقراص و كلانا علي يقين تام من أنني لن أنجب! تزوجنا منذ عشرين عام و من السنة الاولي و قد علمنا هذه الحقيقة و قد خيرتك وقتها بين الانفصال أو التبني , فرفضتي الأمرين. الان بعد هذا العمر الذي قضيناه سويا و قد بلغتي الحادية و الاربعين , فقدتي الذاكرة و تتعاطين هذه الاشياء خشية الحمل !!
لا…لا تنطقي. و لتظلي صامتة. التقطي أنفاسك المتسارعه و اهدأي بالا و طيبي نفسا, فصديقتك قد أنهكتك اليوم هي و قطتها أكثر من أي يوم مضي!
نعم .. لا تنظري إلي بهذه النظرات المندهشة , أنا علي علم بكل شئ و بكل يوم حدث فيه ما يحدث , فلا صديقه هناك و لا قطة و لا شئ من هذا. أنا لن أحاكمك علي خيانتك . أعرفك منذ كنتي عشر سنوات و كنت أنا في الرابعة عشر , و اعرف انك لست بهذه البشاعه و الدناءة و لكني اكتشفت أنك ضعيفة جديدة و فشلت في أول محنة و اختبار نتعرض لها كزوجين, ما يؤسفني حقا أنك كررتي الفعل و كررته و لم يؤنبك ضميرك لحظة . لا… أرجوكي لا تفكري حتي بالتحدث و دعيني أنهي كلامي بمنتهي الهدوء. لا أريد أن أفقد اعصابي فهذا اخر كلام بيننا.
هل تدرين ماذا فعلت بنفسي عندما تأكدت من خيانتك المتكرره خلال الشهور الماضيه؟ تعذبت عذابا لم أكن أتخيله, كأنهم قيدوني و أخذوا يسلخون جلدي حيا. أحببتك حبا شديدا يمنعني من التفكير في إلحاق أي أذي بك, فقررت الانتحار هذه الليله. انظري لهذه الزجاجة الصغيرة في يدي, إنها سم. يقول البائع أن قطرة واحدة فقط تصرع فيلا صغيرا في عشر ثوان. عزمت أن أتناولها كلها جرعة واحدة لأنهي مأساتي هذه الليله. و لذلك حاولت أن أحصل علي عشاء رومانسي معك لتكون آخر ما أراه في الدنيا هو سعادتك , و لكنك أفسدتي كل شئ بلامبالاتك هذه.
ارفعي هذه الفوطة بجوارك من فضلك و انظري تحتها. تذكرتان سفر الي تركيا لمدة شهر. انظري جيدا هناك ورقة صغيرة تحت التذاكر , هل تعرفي الاسم المكتوب بها ؟ نعم هو .. عشيقك السري. كنت أستطيع قتله. أرجوكي لا تبكي الآن , وفري هذه الدموع لتزرفيها غدا بعد موتي حين تذهبين إليه تبكينني بين ذراعيه لعله يعوضك ما حرمتك منه قليلا. الآن سأصعد غرفة نومنا أودع الدنيا من سريري الذي ما خان سري أبدا. لا أريد منك أي كلام و لا تبرير و لا أي شئ و حافظي علي مظهرك أمام الخدم.
صعدت مسرعا إلي حجرتي في الطابق الاعلي من الفيلا رافضا حتي النظر خلفي, تاركا إياها جالسة في ذهول بلا حركة تزرف الدمع و أغلقت باب الحجرة خلفي ثم مددت يدي داخل جيب البيجامة لاخرج زجاجة السم و أنهي هذا الصراع المرير بين عقلي و قلبي , فلم أجد الزجاجه في جيبي كما كانت! فتشت جيدا في كل ملابسي و بحثت في الغرفة فلم أجدها. فتحت باب الحجرة بسرعة و هبطت السلم المؤدي لحجرة الطعام فوجدت حبيبتي ملقاة علي أرضية الحجرة بجوار المنضدة صريعة , يخرج من فمها سائل أبيض ثقيل و يسيل من عينها و أنفها الدم و زجاجة السم علي مقربة من يدها فوق السجادة. فصرخت بأعلي صوتي مستنجدا, فهرعت الخادمة إلينا و اتصلت بالاسعاف. يا لقسوة الحياة حين تريد الموت و لا تجده.
هذه كانت قصتي بالتفصيل ..
لحظة واحدة. هناك شئ اخر نسيته, فقد وعدتكم بأن أقص عليكم كل شئ…
بعد مرور عام علي الحادث , قابلت وكيل النيابه الذي حفظ التحقيق و قيده قضية انتحار, كان ذلك في عزاء صديق مشترك. قال لي أود أن أسألك سؤالا وديا و أعدك أني سأسمع الجواب كأنك لم تقله و كأني لم أسمعه, هل فعلا سقطت زجاجة السم من يدك دون قصد أم أنك تركتها علي المنضدة عمدا؟
فقلت له أمتنع عن الاجابة أو أي كلام في هذا الشأن. ثم انتظرت دقيقة و ملت بجزعي الي اليمين نحوه و همست له ..
” أقول لك شئ لن تقرأه في كتب أو تصادفه في تحقيق … أعطي المظلوم سلاحا و دعه وحيدا و سوف يبحث عن معركته, و أعطي اليائس سلاحا و اتركه وحده و سوف ينهي مأساته بنفسه. ”
ما رأيكم إذن. هل أحب أحدكم زوجته مثلي !

#Garrahi

2 Comments

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.