ندى السوالمه تكتب ساعة العصرية


ندى السوالمه
ساعة العصرية

مندفعة منهمكة، وبوضعية القوة الزاحفة؛ تمكنت أخيرا من دفع باب البناية التي أقطن في أحد مساكنها، معتبرة أن هذا إنجاز عظيم ومُقدِرة شاكرة لكل أطرافي التي تلاحمت و ساعدتني في هذه العملية، بالرغم من أني لأمانة الوصف والدقة لم أعد أشعر بها بعد يوم عمل شاق .

صعدت السلالم كمن تخطو خطواتها الأولى، وحين وصلت لبيتنا وجدتني مظطرة مرة أخرى لأستعين بقوة الزحف، ليس بسبب الدوار الذي كنت أشعر به ولا بسبب أطرافي التي كانت في حالة خدران مؤلم، بل لأني وجدت الهدوء يعم البيت و الأنوار خافتة، ولم أسمع سوى أنين جسدي المرهق، فخشيتُ لوهلة أن أكون قد تأخرت عن المنزل للحد الذي جعل أفراد أسرتي يخرجون باحثين عني متلهفين لرؤيتي متمنين أن أكون بأمان…!!

وبعد ثوانٍ من التفكير الذي لم يكن ذلك وقته المناسب بتاتا، تمكنت وبصعوبة من رفع معصمي الذي تحيط به ساعتي الظريفة لزاوية عيني تقريبا؛ فوجدتها قد بلغت الرابعة عصرا فتذكرت حينها أن سبب هذه الأجواء الغريبة في بيتنا هو أننا العائلة الوحيدة تقريبا التي مازالت تحافظ على تقاليد ساعة العصرية منذ زمن بعيد.

ساعة العصرية هو مصطلح تستخدمه عائلتي وبعض أفراد مجتمعي؛ تعبيرا عن السويعات القليلة التي كانت تُدشّن بغفوة مقدسة بداية وقت العصر، والتي فُرضت علينا منذ الأزل للحفاظ على راحتنا الجسدية، وتنتهي بحلول علامات الغروب، مواقيتها غير ثابتة و تقبل التعديل بناءا على عدد أفراد الأسرة ونسبة صغار السن فيها وحالة الطقس.

أتذكر أنني نشأت على احترام هذه السويعات كأنها مذهبا أخلاقيا لا مفر منه، وأتذكر أيضا كم كانت تختلف طقوسها من فصل لآخر، ففي أيام الدراسة كانت ساعة العصرية منظمة دقيقة جدا، بحيث تشمل قيلولة قصيرة يليها أداء الواجبات المدرسية، ثم الفقرة الأحب إلى قلبي؛ حين كنا نجتمع لنتبادل الأحاديث المختلفة، بعضها حدث بالفعل وبعضها الآخر من وحي خيالنا الخصب، في تلك الأثناء يحتسي الأهل القهوة ويضعون أمامنا نحن الصغار بعض قطع الكعك وكوب الحليب اللذيذ، ولن أخفيكم عن المتعة التي كانت تنتابنا كلما تمكنا من استغلال تركيز الأهل بتداول الأخبار و تحليل المستجدات لنغطّس قطع الكعك داخل كوب القهوة الأقرب إلينا، كانت هذه اللحظات الشيّقة بمثابة مغامرة شقيّة لا يمكن أن يتكرر جمالها أبدا.

أما عن العصرية في إجازتَي الرّبيع والصّيف قد يحتاج مني وصفها استخراج ألبوم الصور من الأدراج العتيقة؛ ليقيني بأني سأجد ما يعيدكم معي لسنوات الماضي الجميل بتفاصيله المذهلة، فبتوقيت عائلتي المليئة بالأرواح البهيّة كانت ساعة العصرية تنقسم عفويا بدون أي تخطيط لمراحل منتظمة متعددة، تبدأ بغفوة العصر تلك التي كنا نقضي أغلبها في التنافس حول من سينام في السرير الأقرب للباب؛ إيمانا منّا أنّ أخْذ غفوة بجانب الباب يجعلنا نستيقظ أسرع وبذلك نستمتع بأكبر قدر من الوقت في اللهو واللعب مع أبناء حيّنا والأصدقاء، لا أعلم المنطق الذي كان يجعلنا نفترس بعضنا بسبب دقائق غفوة إلا أنها مواقف بريئة غالبا تنتهي بخلافات مضحكة!

أما المرحلة الثانية فتبدأ حين تدغدغ رائحة الكعك التقليدي حواسنا البريئة، باعتبارها إشارة واضحة صريحة لفقرة النكهات الشهيّة، نتسابق للمطبخ نتحزر لون ومقادير وشكل ومذاق كعك اليوم، كلٌّ يتأمل أن يجد ما يشتهيه على الطاولة المستطيلة، وسرعان ما ننتشر حولها متلهفين ضاحكين لا يشغل بالنا سوى الاستمتاع، وفي وقت قياسي لا يتجاوز الربع ساعة ننهي الجلسة المليئة بالضحكات والحلويات لتبدأ المرحلة الأجمل؛ فلا شيء يمكنه أن يعوض متعة اللعب في الساحات مع من كانوا يوما الأقرب للوتين.

على عجلة من أمرنا نحضر أدوات اللعب كل حسب ميوله، فتجد أن أحدهم ارتدى قميص فريقه المفضل وبيده ساحرته المستديرة استعدادا لأولى بطولاته، وآخر يدفع دراجته للخارج يتهيأ للفوز بلقب “صاحب أسرع دراجة في الحي”، وأخرى تستعين ببقايا قماش مركون في زوايا المزل المنسية لتصمم فستانا أنيقا لدميتها العصرية، أما أنا فأكثر ما كان يستهويني هو اللعب مع قريناتي في ساحة المنزل الخارجية، كنا نركض وندور ونغني ونعرض مسرحا فنيا لا تقل أهميته بالنسبة لنا عن مسرح الرحباني، فعلى مسرحنا كانت كل السيناريوهات البريئة مباحة، نستمر على هذا الحال المبهج إلى أن تلمع شمس الغروب كدلالة على اختتام سويعات العصرية .

هذه المشاهد المنحوتة على جدار الذكريات؛ ظلّ أثرها الطيب بارز في نفسي إلى يومنا هذا، فبرغم هفوات الزمن والتغيرات الكبيرة التي طرأت على الروح إلا أني مازلتُ أشتاق لشجار القيلولة ورائحة الكعك، ومازلتُ أحن للطاولة المستطيلة ولِلَعب دور البطولة في مسرح الطفولة.

يبدو أن وفائي لتلك السويعات من طفولتي كبير للحد الذي أنساني حجم الإرهاق الذي شكوت منه … ويبدو أيضا أن هناك زمن بريء قد مَر..!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.