محمد جراحي يكتب ابتسامة


ابتسامة (قصة قصيرة)

كنت عائدا من العمل و قد اقتربت من منزلي فمررت بمجموعة من الاولاد مجتمعين علي شكل دائرة يبدو من بعيد أنهم يحيطون بكلب ضال أو بحيوان أليف, فأولاد هذه الأيام أشقياء جدا و قد أصابهم الانترنت بالجنون و العدوانيه. و لكني حين اقتربت منهم أكثر سمعت من بين اقدامهم صوتا يخرج ضعيفا و حزينا و مستنجدا و عندما تأكدت أنه صوت بشري و ليس حيوانا كما اعتقدت, دفعت الاولاد من حوله و أنا أصيح في وجوههم و مازلت كذلك حتي هربوا يمينا و يسارا حتي اختفوا في الشوارع الجانبيه و لم يعد منهم من أحد, فوجدت الولد راقدا عل جنبه الأيمن و وجه إلي الأرض و الدماء تسيل منه. و عندما رأيت ملامحه أدركت أنه ابني! فوقفت عاجزا عن الحركة لثوان معدوده لا أصدق ما أراه, ثم عاد لي الادراك ثانية فحملته بين ذراعي و وضعته في تاكسي فقد نسيت أين سيارتي من هول الموقف و ذهبت به الي المستشفي. قال الطبيب هناك أنها بعض الكدمات و الجروح الطفيفه و أننا نستطيع الذهاب الي المنزل. فقلت له أننا نريد ان نتقدم ببلاغ للشرطة ضد زملائه الذين آذوه. فقال ابني لا .. لا احد اعتدي علي . لا أريد أن أقوم بأي شئ. لربما قتلوني في المدرسة إن علموا بذلك.
فسمعت ما قاله و فضلت الصمت. و شكرت الطبيب لاهتمامه ثم عدنا للمنزل. فزعت والدته مما رأت فطلبت منها الهدوء و طلبت منه أن نجلس سويا لنتحدث فيما حدث. و بعد تناول قدرا يسيرا من الطعام دخلنا سويا إلي حجرته و في داخلي لم أعرف من أين أبدأ الحديث معه, فهو من ناحية ابني الوحيد ذو الثلاثة عشر ربيعا فلم يعد طفلا تخدعه كلمات المواساة او قطع الحلوي, و من ناحية اخري أنا الاخر لدي ذكريات سيئة مع مثل هذا الموقف الذي حدث و كنت لا أحب طريقة حديث الاهل أو المعلمين معي عن كيفية معالجة الامر. و لكني مضطر لفعل لذلك و لهذا أخذت شهيقا طويلا و جسلت الي جواره علي السرير و وضعت يدي علي كتفه قائلا : هل أنت بخير الان ! هل تشعر بشئ من ألم ! فأومأ برأسه أنه بخير. كنت في داخلي أحاول أن أجمع بعض الكلمات و العبارات التي تناسب هذا الموقف الصعب و قبل أن يطول الصمت بنا و يفقد الأمر معناه, قلت له:
– يا ولدي, سوف لن أسألك طبعا عن سبب ما حدث اليوم. فأيا كان السبب فلا يمكن أن يكون هذا هو السلوك المناسب و أيضا لأنني أثق بك و أثق في أخلاقك و لسوف تظل في نظري ابني الشجاع المؤدب و المنظم المتفوق في كل شئ, الابن الذي يرجوه كل الاباء و لكن الله أراد لي الفوز بك. فلا تحزن أبدا علي أي شئ.
و نظرت إليه فوجدته يشيح بوجهه بعيدا , فأكملت قائلا :
– هل تعلم أني كنت في نفس موقفك هذا و انا تقريبا في مثل سنك! نعم, كنت اتعرض للتنمر و العنف وانا صغير , و لكن ليس بسبب تفوقي الدراسي عن باقي أقراني مثلك, إنما لأنني كنت قصير القامة و لدي مشكله في التحدث أمام الفصل أو في الاذاعه المدرسيه فقد كنت أخاف و أنسي الكلام حتي أنني كنت أنسي اسمي. نعم .. لا تضحك!
تخيل أني قصير, فلم أكن في مثل طولك الان و لذلك تعرضت للسخرية الدائمة و عندما اشتكيت للمعلمين أو لجدك كانوا يقولون لا يشتكي الرجال, و إن ضربك أحد فاضربه أو مت و أنت تحاول . بالطبع لم يكن هذا النصح يجدي نفعا بل زاد الامر سوء نظرا لضعف بنيتي الجسديه.
و في يوم ما مدحني مدرس الفصل أمام كل زملائي بسبب موضوع التعبير الذي كتبته و قال كم أنا متميز في الكتابة و من أفضل التلاميذ في المدرسة كلها في هذه المهارة إن لم أكن أفضلهم. و طلب مني أن أقرأ ما كتبت علي زملائي و لكن حينها ضحكوا جميعا لتأكدهم أني لن أستطيع فعل ذلك من الخوف, و بالفعل لم أقدر علي تحريك شفتي أو حتي أن أنطق كلمة واحدة و اذا برأسي يتصبب عرقا باردا و يجف حلقي و تلتصق شفتي العليا بالسفلي و كدت أموت, فنهر المدرس كل التلاميذ فتوقفوا و ساد الصمت ثم ربت علي كتفي و قال لي كلمة لن أنساها ما حييت, هل تريد سماعها! قال :
– يا بني, أنت أفضل في الكتابه من كل تلاميذ المدرسة و هذه ميزتك و نقطة قوتك. و كذلك تستطيع التحدث امام أي أحد فهذا ليس مرض فأنت تحدثني جيدا بلا عطب أو خلل و انما انت تخشي أن يحكم عليك الاخرون بالفشل, ولذلك تنسي ما لديك من نقاط قوة لا يضارعك فيها أحد و تنظر لقوة الاخرين فتكن دائما في موقف ضعف. كل ما عليك فعله أن تحب نفسك و تظهر قوتك للجميع كلما سنحت لك فرصة و ساعتها ستكسب احترامك لذاتك أولا ثم ثقتك و عدم اكتراثك بما يقول الناس او بما يفعلوه.
و أنا اليوم يا ولدي أقول لك ما قاله المدرس فيما مضي و أزيد عليه أنك بالفعل متميز في كل شئ و لديك مواهبك المتعدده. هل من هؤلاء الصبيه من يعزف البيانو! أنت تفعل. هل منهم من يذهب لنادي رياضي و يحترف كرة الماء و السباحه! أنت تفعل. هل منهم من يحصل علي كورسات متقدمه في علوم الكمبيوتر مثلك! و ان كان هناك من مشكلة و أحببت أن تخبرني بها , أرجوك افعل و اعدك أنني لن أكون أبا تقليديا و ستراني اتناقش معاك لنضع حلا لاي مشكلة بالشكل الذي ترتضيه انت حتي و ان كان مجنونا، حتي و إن كنت ستؤجرني لقتلهم جميعا. لا أريدك أن تصاب بالحزن أو تكره ذاتك بسبب بعض الأولاد المرضي نفسيا, و سوف تمر الايام و لن يدوم الا الجيد, وانت جيد, بل جيد جدا. أتركك الان يا بني لتستريح و غدا صباحا أريد أن أري ابتسامتك الجميله علي وجهك, اتفقنا! تصبح علي خير يا ولدي و صديقي الوحيد.
في صباح اليوم التالي استيقظت فزعا لا أعلم هل أحلم أم أن هذا صوت زوجتي فعلا و صراخها الهستيري يأتي من غرفة ابننا. فخرجت من حجرة نومي حافيا أتخبط في الجدران و الاثاث حتي وصلت لغرفته فوجدته نائما غارقا في دمه الذي سال من معصمه المقطوع , و ابتسامته الجميله تعلو وجهه الحزين.
#Garrahi

1 Comment

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.