الساعة الأخيرة على كوكب الأرض.. تكتبها أسماء عبد الهادي


صباح مشرق، خيوط مرسلة هابطة من ضي شمسٍ ساطعة، ترسم ابتسامة على محيى بلابل فتنشد نشيدها الخاص، تتفتح الأزهار وتنبض كما تنبض العنقاء من رمادها.

يرأس المنصة بجوار مديره الأسبق ليسلمه زمام الأمور وينول منصبه ليصبح رئيس التحرير الخاص بجريدة (المستقبل) التى ذاع صيتها لتصبح من أكثر الجرائد شهرة بالبلد.

يتسلم منصبه الجديد بزهو وغرور وكأنه طاؤوس بحلته الرمادية، التى تشبه ضبابية نظراته ومقلتيه، يبتسم ابتسامة جانبية بفخرٍ وكأنه دخل الجنة لانتزاعه المنصب من زميله بالعمل نكاية به.

فقد رفض زميله الخلوق السيد (وسيم) اشتراكه بإحدى الحملات، وكان سبب الرفض صاعقة له؛ فالسيد وسيم لا يراه سوى مغتر ولا يبالي بعمل روح الفريق.

فضرب ضربته وتقرب من المدير لينال المنصب المحقق للآخر، أتبعها بضحكة شريرة تشبه ضحكة الكتعة فى فيلم العفاريت.

أصوات عالية ورنين مستمر ليستقيظ (نور المنياوى) من أعتى أحلامه أنانية على رنين هاتفه ليخرج من فجوته المنتصرة على فراشه فقد تأخر فى الاستيقاظ، زفر بغضبٍ كونه خرج من إحدى أمانيه قصرًا.

نهض مسرعا ليرتدى ملابسه ويرتب هندامه ليتذكر أنه لم يسمع صوتًا لزوجته الحبيبة.. وعند الحبيبة (ابتسم بسخرية) ولكنه أيقن انها مشغولة بشيءٍ ما وستأتي على الفور لتبدأ وصلتها الإخبارية.. (وصلة النكد) كما يحدث بالراديو، حينها دبت خطواتها كعدو يشهر أسلحته بالخصم، ليأتيه صوتها المزعج كرسل المحتلين تغضبه وتجعل دمائه تغلى:

_طبعا صاحى متأخر ولا فى بالك حاجة، وكمان سبتني ملطوعة امبارح فى السينما ولا حتى فكرت تتصل تعتذر وتقولى روحى البيت مش هقدر آجي، وكمان لما جيت لقيتك نمت.

طالعته ليلى باشمئزازٍ واضحٍ بنظره، شملته من مقدمة رأسه إلي أخمص قدميه:

_بذمتك مش مكسوف انك تسيب مراتك لوحدها بليل وتيجى البيت. ‏طب ملقتهاش على اعتبار انك نسيت إني مستنياك برة تسأل عليها، تشوفها راحت فين.

‏ابتسمت بسخرية وعينها تنبض بالقهر والمذلة:

‏_نسيت انك مبتفكرش غير فى نفسك، عارف يا نور انك عمرك محبتني انت مبتحبش غير نور وبس، ‏تقدر تقولى امتى آخر مرة زورت أهلك فيها؟ طب اتصلت عليهم؟

‏تابعت مجيبة فهى ليست بحاجة إلى إجابة تعلمها عن ظهر قلب:

‏_انا اقولك ولا مرة من وقت ما اتجوزنا يعنى من ست شهور، هما دايما اللى بيتصلوا ويطمنوا عليك.

أما عنه فقد اِحترقت خلاياه غضبًا من فجاجة أسلوبها ورميه بهتانًا بما ليس فيه ليقطع عليها حديثها السمج بالنسبة إليه بحماقته وغروره المعتاد:

_انتى ازاى تكلمينى كده! الظاهر علشان بسكت زيدتى فيها، انا زهقت منك ومن نكدك مفيش يوم عدل من بعد شهر العسل، انا خلاص تعبت وزهقت ولو متغيرتيش هطلقك، رمقها بتهديدٍ مكملًا:

_وليه لو؟! انا هطلقك خلاص ومدام مش عجبك الباب يفوت جمل.

غادرته، ولم تعيره أدنى خوف أو اهتمام ولكن قبيل خروجها بدون عناء النظر إليه ناصحته:

_بكرة يجى يوم تعرف انك غلطان ووقتها هيكون فات الأوان، وصحيح لو مطلقتنيش هخلعك.

حاصرته بالزاوية ورحلت عنه فغمغم بصوتٍ وصلها بل وصل لقاطني العمارة بأكملها:

_بكرة اليوم دا يجي وهعرفك مين هو نور المنياوى يا ليلى.

‏غادر للعمل وجحيم نيرانه مشتعل وفمه من حين لآخر يقذف لهيب مع زفيره لينال بعض من صادفه، يقود مسرعا لتأخره عن اجتماعه واليوم المنتظر للترقية ولكن أزمة السير حالت دون ذلك، ضرب المقود بغضبٍ ولسان حاله يقول:

_وكأن دا اللى ناقصنى.

مازال أمامه خمس دقائق كاملة لفتح الإشارة فكوبرى استالي بهذا التوقيت يكون مزدحمًا كيوم الحشر، ليتفاجأ بجريدةٍ ملقاة عليه اِشتعلت حممه مرة اخرى وهمّ بلفظها للخارج ولكن عنوان عريض جذب عقله خبر كالكثير مثله مما يكتب على السوشيال ميديا ولكن أول مرة يراه بجريدة.. (احذر فنهاية العالم موشكة)

قراءته للخبر هز أعماقه وأجفله، جعل نبضاته تتسابق فى ماراثون، وهنا دوى فى السماء برق مهول حتى أنه أغمض عينيه وأخفاهما تحت ذراعه، ومن بعيد رأى ذرات ماء البحر تتجمع وفجأة انشق لنصفين كالطود، انهلع وخرج مكنونه من قفصه وهرب بعيدا عنه حتى أصبح غير قادر على التنفس وجمدت ذرات جسده على معقد سيارته، ولكنه خرج من غفلته على سيارات متقاذفة باتجاهه، نخرت عظامه وهمت بالهروب دون استشارة العقل؛ فعقله أصابه شلل الصدمة، عدا كما لم يفعلها مسبقا للنجاة.. وشريط حياته يُعرض أمام عينيه (والده، والداته، شقيقته الوحيدة  وزوجته حب العمر)

ولكنه ليس مرفها بسينما بدون قطع أو خلل، رؤيته للناس التى تسابق للفوز بحياتها وحياة أحبتهم، زادت من حماسه ودبت بأوصاله المنهكة إكسير الحياة، وأذنه تلتقط أنه قيام الساعة؟.

وعند التفاته لرؤية المتحدث قد اختفى وبقى منه ملابسه فقد احترق وظل رماده بأرضه، جحظت عيناه خوفًا وارتعشت أنامله لما يحدث حوله فكلما دوى رعد بسماء الله تنفتح وتاخذ المئات من جواره ليست أرواحًا فقط، ولكن مباني وسيارات حتى مياه البحر التي انفرجت قد تبخرت وصعدت للسماء.

همّ بالوصول لمنزله حيث زوجته، عائلته الصغيرة وهو يردد بداخله:

_ارحمنا يا ارحم الراحمين

‏‏واحيانا آخرى:

‏_يارب، ياارب.

بكى ولم يصدق دموعه الهابطة على خده وفكه المنحوت فها هو.. نور المنياوى يبكي، يخشى فقدان حياته بل يخشى فقدان ذويه دون وداع، دون اِعتذار واجب منه، دون اعتراف بحبٍ يسكن جنباته.

سيارات متلاحقة، وابتلاع الأرض للمباني، ودموع المجاورين على فقيدهم، وانشقاق الارض والطرق، واقتلاع الأشجار بفعل رياح السماء، وفضيان المياه عند الشاطئ وغمرها للارض، وقذائف النيران التى كادت تلتهمه، وغبار المحترقين يلاحقه بغمامة ضبابية كتلك النظرة التي رمق بها زميله بمنامه، هبطت دمعاته محدثة تجاويفٍ عميقة، انتابه الحزن والاسى على حاله وأنانيته المستمرة مع من يحبونه، وأثناء شروده عاجلته قطعة من سيارة ما شوهت ملامح وجه المتباهي به بكل حدب وصوب.

هبط واستقبلته الأرض مرحبة بوجبة دسمة عبق نزيفها مستجد، خارت قواه، واستسلم للموت، مستشعرًا سكينة واطمئنان لم يجربهما من قبل.

أسماء عبد الهادي

1 Comment

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.