بقاء الرحيل.. خولة الحساني (تونس)


قبل رحيله بساعات كنت أنوي كتابة خاطرة جميلة مرت بي، ولكن انشغلت بالكلام والنقاشات التي أدت برحيله.

لقد خسر كلانا.. خسرت أنا روحي، وأنتَ خسرتني.

منذ تلك اللحظة جف ينبوع كلماتي وتوقف قلمي كالصنم.. في البداية قلت لابأس مجرد أيام و ستمر، سأنسى وستعود المياه إلى مجاريها؛ فعادة ما تأتِ لحظات على الكاتب يتوقف عن الابداع، لكن الفترة طالت لتصبح شهرًا وأنا أشاهد كل من حولي يتحرك ويتقدم، ألا أنا قابعة لا ألوي على شيء.. شعرت وقتها بأنني أفقد كينونتي شيئًا فشيئًا.

تبًا! شعورٌ سيءٌ أن تفقد كل شيءٍ في آنٍ واحد.

حاولت التواصل معه عدة مرات لكن غرور الأنثى بداخلي أبى واِستكبر.

الزمن يمر وأنا أشاهد بكل ضعفي، إلى أن رأيت أجنبية من بين أصدقائه.. صدقًا شعرت بأنني انتهيت؛ قررت محوَ كل ما كتبت منذ أربع سنوات مضت، لكن تلقفني عيد الأضحى وتواصلت معه بحجة العيد لتعود العلاقة ضريرة ضعيفة، وبمرور الأيام تحسنت.. أظن أن الحب أخذ مني ما لن يأخذه مرض آخر يوما قط.

وها هو ينبوعي غدا نهرًا ثم بحرًا.. إنه مصدر ذلك الينبوع.

كالنيل في جريانه وكالفرات في عذوبته.. هو هكذا يمد الحياة للحياة.

يقال أن الهجر هو ما يجعل منا كُتّابًا.. لكنك جعلتني أكتب في حضورك أكثر من غيابك، في غيابك غدوت كسمكة تتخبط فور خروجها من الماء فلا روحها صعدت إلى السماء ولا عادت إلى جسدها.

طيورٌ تهاجر إلى الشمال، رياح تشرين قادمة من كل جهة وصوب، أمطارٌ غزيرة أدت إلى طوفان نوح، وأنت وأنا مثل جبلان أحدهما في الشرق والآخر في الغرب.

قلبي بكَ كان بستانا مليئا بجميع أنواع الأزهار وها هو أضحى أرضًا قاحلة بور.. إلى متى؟ إلى متى سأبقى أبكي على أطلال قيس ابن الملوح أو عنترة ابن شداد، وليتكَ كنت قيسي وكنت ليلاك أو كنت عنترتي وكنت عبلتك.

ما أنا إلا حذامي التي لم يصدقها أحد عندما أنذرتهم من الخطر بفضل نظرها الثاقب، فلقلبي نظر ثاقب لم تصدقه وحبي صريع.

من ذاك الغبي الذي ندم لأنه كتب شيئًا يومًا؟! من منكم سادتي كتب شيئًا يومًا بكل جوارحه ثم ندم وقرر أن لا يريه لأحد لأنه سيظن به سوءًا.

سيظن بأنه يكتب من أجل أحدهم وهو فعلا كتبه من أجل أحدهم.. نعم لقد ندمت أشد الندم اليوم لأنني أكتب ولوهلة كنت سأمحو كل شيء، لقد أخبرتكم سابقًا عن مدى قساوة أن تصف للقراء ألمك في سطور كأنك تذبح شريانك بها وترميها كالزهور وسط الحشود ليصفقوا لك ويصفونك بالمبدع، مثل ذاك المهرج الذي يُضحك الأطفال ولم يجد من يسعده. أتعلم يا ألم قلبي وفرحة عمري، لقد مررت بي فأحييتني ثم أمتني.. وإنّا لله وإنّا إليهِ رَاجعُون.

خولة الحساني

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.