خديجة ايت قاس تكتب بعنوان ” صداع “


خديجة ايت قاس تكتب بعنوان ” صداع ”

تلفعت السماء بالغيوم السوداء, وهزيز رياح يلطم الآذان مصحوب بحفيف الأوراق يكاد يخرج الجثث من تحت الردم, زمهرير يشق الأضلع وأمطار غزيرة في الخارج تشتد يقطعها برق يسطع و يكشف ملامح كل شيئ، ينير جذور البذور ، يحتل شقوق الجدران , أشجار في الخارج تتمايل تراقص الرياح في خفة، تتساقط ثمارها فارة من أغصانها وأوراقها في إستعداد لتوديعها ، جو مخيف لا مرآى فيه لنظرات البوم ولا نور البدر المنير ،كل شيء صامت كان يسمع سوى صوت خطواته من على الدرج، خطوات مترنحة وملامح منهارة وقلب مشحون بالألم تواسيه دموع متسربة بغزارة من مقلتيه السوداويتين ، متعثرا كالسكير الثمل بجرعات الحزن.
فتح الباب وتقدم نحو فناء المنزل مارا بمرآة على يساره، فانتبه اليها واستدار نحوها في إعياء ،عكست له المرآة صورة شخص كاد يجزم أنه لا يعرف تفاصيله ، وجه مغبر مبلل بقطرات المطر وشعر أشعث ، عينين ذائبتين في اليأس تحيط بهما هالات بلون الغسق ، والنور يحتضر بين عينيه يبارزه السواد ساخرا منه ، ويدوس على كبريائه ليثخنه بمرارة التحسر ، متمتعا بآخر مشهد تطفو فيه الأحلام على ماء عكر تحته نار هادئة تحرقه على مهل ، اقترب منها أكثر بعينيه المنتفختين المضببتين ، وقف لحظة ليتجرع ريق الألم بفمه المحمر من ملوحة دموعه ثم رفع يده المبتلة بالمطر يحاول تحسس ملامحه مستحضرا كما هائلا من الذكريات المسبوغة بدخان الماضي ، يبحث وسط ركامها عن فتى الماضي السعيد فيجده ثم يبتسم ثم يستحضر فتى الحاضر فتغيب ابتسامته وسط ملامح الحزن فينتحب مجددا ويتجعد وجهه المتورم بالدمع ، ادار ظهره الى المرآة في مرارة محاولا منع العبرات من الإنسياب على وجنتيه فلم يفلح فاستسلم وأجهش في البكاء بشكل هستيري، استدار بسرعة تعاكس البرق فوجه قبضته نحو المرآة، ولم يهدأ حتى تيقن أنه حولها إلى رفات ، أسند ناصيتة الى الجدار أمامه في انهاك متأملا حبيبات الدموع والعرق التي تتساقط من وجهه ، وأنفاسه الحارة يكاد لهيبها يذيب طلاء الجدار ، هدأ قليلا وسمح لعقله المعطل أن يعمل ، حمل نفسه ثم توجه الى الحمام، اغتسل ثم توضأ فخرج بعدها نحو الفناء مجددا متجاهلا قطع المرآة المتناثرة على الأرض ، أضاء غرفته واقترب من الخزانة فاتحا اياها ، أخذ السجادة وبعدها عاد الى فناء المنزل فوجه السجادة نحو القبلة واستوى عليها وأقام الصلاة ثم قرأ سورة الفاتحة، اختلج صوته بالدموع فضعف صوته حتى احتبس بالنحيب وأكمل التلاوة بصوت ضعيف وخافت وقبل أن يسجد خارت قواه فسقط بشكل عنيف جعل جبهته ترتطم بالأرض ، أخذ يردد سبحان ربي الأعلى بضعف وذل ويديه ترتجفان وشهقاته تشتد ،بل كل شيء فيه كان يشهق يتألم يستغيث برحمة الله، يستغيثه ان يغفر له ، يتضرع بخشوع والدموع شلالات بللت قميصه.

طال سجوده حتى استلذه ولم يرفع رأسه حتى سكنت جوارحه واطمئن قلبه، ثم رفع رأسه ثم سجد ثم رفعه مجددا فردد التشهد الأخير وسلم وبعدها رفع يداه الى السماء وردد من الدعاء ما شاء الله أن يردد .
خديجة ايت قاس

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.