فيلم البريء.. رؤية أحمد سعيد


هذا الفيلم الذي أدخلني مزاجًا حزينًا خانقًا، ربما كان عليّ ألا أشاهده الآن، من هم أعداء الوطن، هم نحن اذًا.

أحمد سبع الليل الفلاح الساذج، لا يفعل إلا أن يرعى أمه المسنة وأخوه ذو القدرات المحدودة.
تظهر سذاجة أحمد حينما يسخر منه أصحابه، أو بالمعنى الدارج “يضحكون عليه”، لكن الوحيد الذي يقف بجواره ويحاول أن يفهمّه هو “حسين وهدان” الطالب الجامعي.

يتم أخذه لتأدية الخدمة العسكرية فهو أمام القانون ليس الولد الوحيد، يترك أمه لشقاء الأرض، ويذهب لخدمة الوطن كما يظن.

في المعتقل الكل عدو، الجميع في الذهن ضد الوطن.. هذا ما زُرع داخله، فحينما يضرب معتقلًا فهو يضرب الأعداء ويحمي الوطن.

تمتد يد الفلاح ليقتل، فيخبره الكاتب وهو يموت “أنت مش فاهم حاجة، أنت حمار”
كاتب العمل “وحيد حامد” أجاد في تلك النقطة، فبرغم أن أحمد صار قاتلًا إلا أن القاتل الحقيقي هم الضباط والنظام، أما هو لم يكن إلا ضحية أخرى، لذا لم نفقد التعاطف مع أحمد سبع الليل أبدًا.

مشهدان جعلاني أبكي.. مشهد اللقاء الأول بينه وبين أمه وهو يركض نحوها ويخلع الزي الميري ليريحها، ذرفت الدموع، ولم أستطع أن أوقفها، أداء عبقري من الفنان الراحل أحمد زكي، مع الممثلة القديرة ناهد سمير.
ولحظة رؤية سبع الليل لصديقه حسين وهدان، حينما انكشف الوعي فجأة
” لم إيدك، لم إيدك يا جدع.. حسين أفندي ابن عم وهدان لا يمكن يكون من أعداء الوطن أبدًا. حسين أفندي ابن الحاج وهدان لا يمكن يكون من الأعداء. أعداء.. أعداء إيه؟! هو اللي فطمني وهو اللي نورني وقالي على مهمتي في الجيش. أضرب آه، إلا حسين ابن عم وهدان”

النهاية: بعد موت حسين، وعقابه لأنه لم ينفذ الأمر، يقف فوق برج الحراسة، يرى سيارة الترحيلات وقد جاءت بمعتقلين جدد.. هنا لحظة القرار، يخرج سلاحه وينهال على الجميع بالرصاص، ليكون يد العدالة، ثم يعود لطيبته وفطرته، يمسك مزماره ويعزف لحنًا حزينًا، لكنه لا يكمله فواحدٍ من الجنود الناجين يقوم بقتله. يسقط السلاح ويسقط المزمار، ترى من يفوز، وتبقى الإجابة معلقة، ربما يجد الإجابة أحد المشاهدين يومًا ما.

الفيلم من إخراج عاطف الطيب، لا يمكنك إلا أن تدخل عمق الصورة، ستتوحد مع الواقع، وتلتحم بالتفاصيل، ستحب الصورة، وتنقلك إلى عالمها.. الذي لن تفرقه عن عالمك المحيط.

الفيلم كله كقصيدة نثر متلاحمة، الإخراج، مع الموسيقى التصويرية للعبقري عمار الشريعي، لن تفصلها أبدًا عن الفيلم، فكلما حضر بذهنك مشهدٌ ستحضر معه الموسيقى، استعان عمار الشريعي بأغنيتين مغنتان بطريقة الحداد، وكأنها تنعي وطنًا حزينًا، وتنعي عدالة مفقودة، ومعها سننعي أحمد سبع الليل في نهاية الفيلم.

الأداء: عبقرية أحمد زكي، يمثل بكل خلية منه، نظراته، صوته، حركة جسده، كل شيءٍ سيقنعك.. وستتمنى لو تقابل أحمد سبع الليل بكل بساطته وطيبته. المجند الذي ظن أنه يخدم الوطن، فوجد أنه يخدم أعداء الوطن الحقيقين.
ناهد سمير: ما هذه العظمة، وما هذه الواقعية في كل شيء، رأيتها أمي بكل بساطتها، رأيت بها وجهًا مصريًا خالصًا، وبكيت معها حينما فقدت جاءها خبر موت ابنها “لم يأتِ هذا المشهد في الفيلم إلا أنني تخيلته”
محمود عبد العزيز: أداء عبقري، كيف يكون طيبًا رومانسيًا في بيته، ومع ابنته، وكيف يكون بهذه القسوة المنعدمة الإنسانية في عمله كمأمور للسجن، ربما كان يحتاج هذا الدور تعمقًا في نفسية الشخصية، حتى نستطيع فهمها جيدًا. ربما سنظل حائرين أمام هذه الشخصيات، كيف ينامون مرتاحي البال، وهل هم الشخصيتين أم واحدة والأخرى مجرد إدعاء؟!

“يا قبضتي دُقِّي على الجدار؛
لحد ليلنا ما يتولد له نهار،
يا قبضتي دُقِّي على الحجر؛
لحد ما تصحِّي جميع البشر،
لحد ما تتفسّر الأسرار.
مش فاهم اللي حاصل
لكن بقلبي واصل،
واللي مش فاهمه عقلي
بتشرحه السلاسل.
يا قلوب بتنزف دم في العتمة
يا قلوب بتنزف دم وتغني،
سجنونا قاصدين يسجنوا الكلمة،
والكلمة غصب عنها وعني..
طلعت من القضبان ومن الأسوار.”

أحمد سعيد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.