محمد جراحي يكتب قرأت لك كتاب ( أنتم الناس أيها الشعراء ) بقلم / أنيس منصور.


.

يوم و تاريخ النشر : متروك لحضراتكم

النص :

كتاب أنتم الناس أيها الشعراء، طبعة دار نهضة مصر للطباعه و النشر و التوزيع. بقلم الاستاذ أنيس منصور رحمه الله.

ملحوظة :
عزيزي القارئ ارجو أن تضع في اعتبارك أن ما تقرأه الآن ليس مراجعة نقديه للعمل، و انما تقديم للكتاب ان جازت التسميه.

أنيس منصور هو أنيس منصور الغني عن التعريف , الحكاء الرائع و الفيلسوف المرح و الكاتب الشقي البارع, لا ينافسه في خفة الدم و طلاقة التعبير و الاحتيال اللغوي إلا محمود السعدني و إن زاد عليه أنيس منصور بفلسفته و تنوعه , و إن زاد السعدني علي منصور بشعبيته و محليته و مواجهاته المباشره و صراحته الذكية.
” أنتم الناس أيها الشعراء” .. عندما يقرر أنيس منصور أن يسجل إعجابه بالشعر و الشعراء و عندما يريد أن يقدر و يثمن هذه الموهبة النادره و عندما يريد أن يقوم بعمل دعاية مجانيه لبعض الشعراء عند قاعدة متابعيه العريضة , فليس هناك أفضل منه ليقوم بذلك الدور.
ينتظم الكتاب في ثلاثة عشر موضوع , يعتبر الأول و الذي يحتل صفحة واحدة من الكتاب بمثابة توضيح خفي للقارئ من أين جاء الكاتب بعنوان الكتاب. فتجد أنه عبارة عن السبعة أبيات الخالدة من روائع أمير الشعراء و سيد الشعر سيدنا أحمد بك شوقي , ” خدعوها بقولهم حسناء, و الغواني يغرهن الثناء ” علي البحر الخفيف. و بين هذه الابيات الخالدات ما ان يصل القارئ للبيت القائل : ” جاذبتني ثوبي العصي و قالت : أنتم الناس أيها الشعراء ” يبرز له عنوان الكتاب. و هكذا و كعادته بدلا من أن يشرح من أين جاء بالعنوان , يجعلك تقرأ قصيدة خالدة من عيون الشعر العربي ليؤهلك لموضوعات الكتاب و في نفس الوقت يجعل عقلك الباطن يدرك من أين استقي عنوان الكتاب برشاقة و خفة أنيس منصور.
يقوم أنيس منصور في باقي العناوين بشرح تذوق الشعر و ليس تشريح الشعر, يتحدث عن الشعراء الحقيقيين .. حالهم .. معاناتهم .. حياتهم و مدي الجهد الذي يبذله الشعراء لاخراج شعرهم بالشكل الذي يترجم مشاعرهم و ما يعانوه مع شيطان الشعر. يقتبس كل الاقوال التي قيلت عن الشعر و الشعراء و كل القصص و النوادر و الاخبار منذ أن عرف الشعر ألسنة الشعراء من جاهليته إلي الحداثة, دون أن يكتب بقلمه هو نهائيا لتكتشف أنك تقرأ أقوال السابقين و أن ذلك الماكر أنيس منصور قد أوقعك في فخ العوده إلي الخلف خطوة بأسلوبه الرشيق ثم بعد ذلك تنطلق معه و مع آرائه و كلماته المنسابة و اختياراته الشعريه و شرحه لها كأنك تسبح مع تيار هادئ في فجر يوم خريفي أنيق بعد أن اجهدك في عبور الامواج الصغيرة علي الشاطئ لتصل إلي الماء الحقيقي الذي يحملك بخفة و هدوء.
تنتظم باقي موضوعات الكتاب علي نهج واحد تقريبا و هو اختيار الكاتب لبعض الابيات لشعراء ملؤا الدنيا جمالا بأشعارهم و يشرح و يقدم رؤيته بين كل اختيار و اختيار فهو الان مع حافظ ابراهيم يقارنه بنفسه و الذي يصفه بأحد أظرف ظرفاء عصره علي النقيض من شعره إذا كتب الشعر فهو المتجهم الجاد المتشائم. ثم يضعه في مقارنة مع أحمد شوقي في موقف معين فيقول عندما يتحمس حافظ ابراهيم للاتراك فهو يفعل ذلك لانهم مسلمين و لكن عندما يتحمس شوقي للأتراك فلأنهم أتراك فقط.
و هكذا يتحدث عن كل شاعر ممن ذكرهم كأنه يقدمه للقارئ علي طبق من ذهب, يعطي له لمحات عن شخصيته و عن طريقته في الكتابة و عن خلفيته الاجتماعيه و التاريخيه و السياسيه .. و مع أن ذلك يبدو لبعض القراء أنه يفرض عليهم بعض الاسماء دون غيرها و يفرض عليهم طريقة فهم نصوصهم بما يضعه من مقدمات لابياتهم التي انتقاها هو أيضا من مجمل أعمالهم و انا أميل لهذا الاعتقاد و لكن في النهاية لنعترف, من أفضل من أنيس منصور ليقوم للقارئ العادي بهذا الدور !
يسير الكتاب بهذه السلاسه و الخفة التي تجعلك تري النصوص بعيون أنيس منصور حتي ان كنت تحفظها قبل ذلك عن ظهر قلب إلي أن تصل للصفحة رقم ( 94 ) فتتفاجئ أنه معنون بإسم ” جليلة رضا .. شاعرة الوجودية ” ثم الموضوع الذي يليه تحت عنوان ” الشاعر اللامنتمي .. فاروق جويدة ” ثم بعدهما عنوان آخر ” الشاعر الصعلوك .. أحمد سويلم ”
هذه الفصول الثلاثه تبدو من العناوين أنها دعاية لشعراء معاصرين – و هي كذلك – و لكن مع أنيس منصور ستخشي أن تعلن ذلك ! فهو يقدم لك الشعراء الثلاثة بشكل استثنائي حتي و هو ينتقد بعض الجوانب في شخصيتهم الشعرية أو في أعمالهم نفسها. إن كنت لم تقرأ لأنيس منصور قبل ذلك, فلن تفهم أنه ينتقد و بشدة و إن كنت لم تقرأ لهذه الاسماء إلا ما قد اختاره لك أنيس منصور , فلن تفهم ذمه من مدحه. يقدم الشعراء بشكل يجعلك ترجع إلي مؤلفاتهم لتراها بعين أنيس منصور فتستمتع بها, ثم تعود لتقرأ ما كتبه ثانية ها هنا لتضحك معه علي عقلك الذي صور لك مثلا في بعض الاحيان أنه يمدح – فاروق جويدة – في مقدمة الفصل الخاص به حين قال : ( بعد عمر طويل يدخل شاعرنا فاروق جويدة جنة الخلد مع الشهداء. فقد قال الرسول عليه السلام:” من أحب فعف فكتم فمات دون هواه .. فهو شهيد” و شاعرنا في دواوينه التسعه كان ذلك الشهيد.)
فلا تدري كقارئ أيمدحه في ذلك أم ينتقد فيه وحدة موضوعاته و ندرة التنوع فيها و عدم جرأته في الخروج عن الخط الذي رسمه لنفسه كشاعر و مؤلف مسرح شعري. و قد وقعت أنا في ذلك الفخ الجميل عندما قرأت الكتاب لاول مره و قمت بشراء جميع مؤلفات الشاعر فاروق جويدة حينها, و للاسف لم أكمل قراءة كل الكتب بالرغم من عشقي لكل انواع و اشكال الشعر. أدركت حينها مقصد أنيس منصور بإلقاء رداء شهيد الحب العفيف علي الشاعر فاروق جويدة !
و بعد هذه الفصول الثلاثه يعود بك أنيس منصور إلي سابق عهده من حيث طريقة العرض التي اتبعها و لكن هذه المره يضع رأيه هو و ما يراه هو و يصنع اسقاطاته و ينثر بين السطور فلسفته الخاصه بشكل أوضح مما حدث في كل الفصول السابقه.
فيفرق بين الناس علي أساس الشعر, فــهم نوعان ” ساسة و عشاق ” وهو عنوان الفصل الحادي عشر . يضعك أنيس منصور بين المتقابلات المتعددة بلا طغيان لاحد علي الاخر .. يقول أن ” الساسة يرون الناس جميعا أدوات .. وسائل .. عربات حمير .. جزم يصلوا بها و علي جثثهم إلي السلطة و القوة و دنيا السياسة ليس بها بشر إنما كلها حشود .. جماهير .. مظاهرات تهتف …”
ثم تراه في الفقرة التي تليها يضع كل ما هو مادي و قاس في مواجهة الصنف الثاني ” العشاق ” فيقول .. ” العاشق لا يقتل الناس .. لا يفرغ الكون .. لا يفقأ عيون الناس و يسد آذانهم من أجل أن ينفرد بحبيبته, إنما يري في الناس زفة عروس و قد وقفوا من اجل تحيته و هتفوا من أجل سعادته”
يضعنا الرجل بين المتقابلات المتعددة و الموزونة بحرفية شديدة – كلمة بكلمة .. صورة بصورة .. اسقاط مقابل اسقاط – كأنه يستعير الاوزان الشعرية و الوحدات الايقاعيه و التفعيلات الخمسة للشعر , ليقارن بين نوعي الناس اللذين صنفهما هو و قدمهما هو و كعادته يأسر بها القلوب و يخدش بأظافره العقول لتفهم بين السطور ما يغنيه عن التصريح به.
يختم كتابه الرشيق بموضوع تحت عنوان ” نسور تمشي علي الارض ” يحكي فيه عددا من النوادر في حياته هو , ليدرك القارئ بعض المعاني التي يقدمها مغلفة بظرفه المعهود و لغته المغردة.
و في النهاية أقول : إن كنت شاعرا أو محبا للشعر فعليك بمطالعة الكتاب جيدا. و إن كنت تحب أنيس منصور فقط , فهذا الكتاب يقربك أكثر إلي عقل و قلب أنيس منصور لتتعرف علي ذوقه في الشعر و الادب و ما يحبه و ما يكرهه و كيف يري بعض المبدعين و كيف يقيم أعمالهم.

” أنتم الناس أيها الشعراء ” لــ أنيـس منصور. أتمني لكم قراءة ممتعة .
#Garrahi

1 Comment

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.