عادل غالي يكتب الجزء التاني من قصة فيروس العقل


 

الجزء التاني من قصة فيروس العقل

فظهرت الدهشة علي ملامحه فجأة ثم قال:
– الصين !! ومنحة ألمانيا اللي المفروض أنا وأنتي نكون فيها.
فأجابته بهدوء شديد يصحبه حزن ساكن في الوجدان وقالت:
– للآسف منحة ألمانيا من نصيب صفاء زهدي وللآسف الشديد الكلية مخترتش غيرنا إحنا الإتنين وبس.
فقام من مكانه بعدما تبدلت ملامحه التي كساها السأم فقامت هي الأخرى خلفه وحدثته قائلة:
– متزعلش نفسك ياحبيبي …منحة راحت ومنحة إن شاء الله هتيجي … مافيش حاجة تستدعي الزعل دا.
فنظر لها وأجابها بطريقة قد تبدو عليها بالغرابة وقال:
– مافيش حاجة تستدعي الزعل دا من وجهة نظرك أنتي لكن أنا المفروض أزعل وأثور كمان … أنا كنت باني أحلامي أني أروح ألمانيا وأخد الدكتوراة من هناك وأتفاجأ بأن حلمي إتبخر وبقي سراب وعوزاني مزعلش.
فحدثته قائلة:
– وليه متقولش إن ملكش نصيب السنادي وأن ربنا كاتبهالك في وقت تاني .
ولكنه حدثها متسائلاً:
– وأنتي ناوية علي إيه … هتقبلي ولا هترفضي؟
فاحتل الإستغراب ملامحها لأنها أحست بالصدمة العنيفة من سؤاله وعلي ذلك تحدثت وقالت:
– بص يا تامر أنا منكرش أني زعلت من جوايا بأن حلمي إتبخر زيك وأكيد كان نفسي أروح ألمانيا مش الصين بس عاوزة أقولك حاجة … أكيد ربنا بيأجل رغباتنا عشان في ترتيبات هو الأدري بيها .
ثم أكملت حديثها قائلة:
– أنا فعلاً لسه مردتش علي العميد بس خلاص أنا موافقة وهسافر الصين … هسافر عشان أكمل بقية أحلامي وأثبت لنفسي أني أستحق أكون دكتورة وفي أقرب وقت.
ولكنه رمقها نظرة غير مفهومة ثم غادر المكان وتركها حائرة في أمره، بينما هي حاولت معه بشتي الطرق الممكنة لكي يرضخ لأمر سفرها ولكنها حدثها مبرراً:
– أنا رفضي لسفرك هو لأنك بنت … إزاي بنت تسافر لوحدها وكمان هتسافر بلد نسبة المسلمين فيها يتعدوا علي الصوابع وغير كدا كمان أنتي ناسية فرحنا اللي في أول السنة.
كانت هي تلك الأسباب من وجهة نظره والتي حاول إقناعها بها ولكنها كانت تعلم بأن هذه الأسباب ماهي إلا ستار لما يخفيه قلبه، في تلك اللحظة حدثها عقلها بأن تلك الستار كانت تتمثل في غيرة ساكنة بين ثناياه، ولكن قلبها أزاح عقلها بعيداً وحدثها بأنه أكثرشخص يتمني لها النجاح وأن رد فعله كان نتيجة خوف متمركز داخله، فحاولت أن تجيبه بنفس وجهة النظر التي أطلقها منذ قليل وقالت:
– لو بتكلم بأني بنت ومينفعش أسافر لوحدي عشان خايف عليا فعوزاك تطمن … أنا هسافر عشان هدف معين … وبالنسبة لسكني أكيد هيكون سكن أمن جداً وهيكون سكن جوا الجامعة … أما بخصوص فرحنا فمتقلقش هيتم في ميعاده. فنظر لها ونطق بصوت عالي بعض الشيء مع دهشة مرسومة علي ملامحه:
– هيتم في ميعاده إزاي والمنحة مدتها خمس سنين!!
فعقبت علي كلامه قائلة:
– المنحة فعلاً خمس سنين بس خمس سنين من حقي فيهم أخد أجازات عشان أشوف أهلي وحبايبي وخلال فترة الأجازه فرحنا ممكن يتم.
فاضطر للموافقة علي مضض لأنه لم يجد أسباب آخري للرفض خاصة أن عائلتها قد وافقت بالفعل علي سفرها، وبعد الإنتهاء من إجراءات السفر ذهبت إلي المطار بصحبة والديها وخطيبها وصديقتها المقربة أسما لكي يودعوها الوداع الأخير الذي فيه راحتها وإستقرارها من وجهة نظر خطيبها، وحينما دلفت لداخل صالة المطار إنهمرت الدموع من عيونها وكأنها شلالات متدفقة، إنهمرت الدموع حقاً ولكن قلبها قد إنفطرعليهم جميعاً، أسما التي بكت بشدة علي رحيلها وتامر حبيبها الذي أحست بالضياع بعده حينما تلاقت عيونهما المليئة بالدموع سوياً، أما أمها وأبيها فعندما إحتضنتهما أحست باليتم الحقيقي لأن أحضانهما بالنسبة لها معني الوطن التي تسكن فيه، تمنت في تلك اللحظة التراجع عن قرارها والعودة إليهم من جديد ولكن الوقت قد فات، لقد صعدت درجات الطائرة وهي مودعة خلفها تلك الذكريات التي كانت تحيا داخلها لتذهب إلي مجمتع أخر تنشأ فيه ذكريات جديدة بمفردها، مجمتع تخشاه من داخلها وذلك لأنه يحارب الإسلام ويتمني أن يمحيه ويقضي عليه بالإضافة إلي المأكولات الغريبة التي تشمئز منها البشرية والتي حرمها ديننا الإسلام.
وبعد ما يقرب من التسع ساعات التي قضتها داخل الطائرة هبطت إلي أرض بكين ثم إستقلت تاكسي كي تذهب إلي محطة القطار لتذهب إلي مدينة (هانزو) التي ستقيم فيها، وبعد أن صف السائق سيارته أمام الجامعة إرتجلت ودلفت للداخل وهي من داخلها حزينة وقلقة بعض الشيء، ثم صعدت للأعلي لتذهب لغرفتها التي تتقاسمها سوياً مع زميلة آخري، فهدأ قلقها رويداً حينما علمت أن الفتاة التي تمكث معها فتاة عربية تدعي ليزا، ليزا فتاة جزائرية بملامح أوروبية، بشرة بيضاء، عيون خضراء، شعرأصفر لامع، قوام ممشوق وكأنها فراشة ملونة تحلق في الهواء، وعندما تعرفت الفتاتان علي بعضهما نطقت ليزا بكلمة أراحت فؤادها وهي :
– تحيا العروبة في أرض الوطن الغريب.
وبعدها توطدت العلاقة بين تلك الفتاتين وأصبحتا جزءاً لا يتجزأ عن بعضمهما، فقصت ليزا علي نوران كل شيء يخصها بحكم أن الصداقة بينهما ستظل قائمة في هذا الوطن الغريب، أخبرتها أنها تبلغ من العمر أربعة وعشرون عاماً، أتت إلي الصين حتي تكمل دراستها هي وخطيبها معاذ، معاذ الذي يقيم في مدينة أخري تدعي ( ووهان)واللذان تعاهدا علي المقابلة في فترة الأجازة لكي يقضيا وقت ممتع مع بعضهما، فأخبرتها نوران هي الآخرى بكل شيء عنها،عمرها المماثل لعمرها، صديقتها المقربة أسما حتي عدوتها اللدودة صفاء زهدي التي ذهبت إلي ألمانيا من إكمال تعليمها وأخبرتها أيضاً أنها مثلها حينما تأتي فترة الأجازة ستعود إلي أرض الوطن من أجل خطيبها كي تتزوج به.
مرت أشهر قليلة عليهما في ذلك الوطن وهما كيان واحد، لقد إكتسبت نوران صديقة أخري غير صديقتها الماكثة في بلدها وستكون مرافقة لها طيلة مدة المنحة، لقد إستطاعتا تلك الفتاتان أن يهزما وحش الغربة القاتل بقربهما من بعضهما وأصبحتا في هذا الوطن كأشخاص تحيا رغداً في أوطانهم إلي أن أتت اللحظة الحاسمة …
يتبع…
بقلم : عادل غالي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.