عادل غالي يكتب الجزء الثالث والأخير فيروس العقل


 

 

مرت أشهر قليلة عليهما في ذلك الوطن وهما كيان واحد، لقد إكتسبت نوران صديقة أخري غير صديقتها الماكثة في بلدها وستكون مرافقة لها طيلة مدة المنحة، لقد إستطاعتا تلك الفتاتان أن يهزما وحش الغربة القاتل بقربهما من بعضهما وأصبحتا في هذا الوطن كأشخاص تحيا رغداً في أوطانهم إلي أن أتت اللحظة الحاسمة، لحظة الفراق والرحيل، لقد إنتهت الإمتحانات وحانت فترة الأجازة التي قررتها الجامعة بثلاثة أشهر والتي علي آثرها نظمت كل فتاة حقيبتها لكي تذهب إلي الحب الواعد الذي في إنتظارهما، وعندما إنتهت نوران من تنظيم حقيبتها توجهت إلي ليزا ثم إقتربت منها فوجدت الحزن مرسوم علي ملامحها فحدثتها قائلة:
– ليزا … مالك ياحبيبتي ؟
فردت عليها بنبرة صوت محشرجة يسكنها حزن دفين وقالت:
– نوران … أنتي هتوحشيني … هتوحشيني أوي.
فحدثتها قائلة:
– وأنتي كمان هتوحشيني ياليزا … بس أنتي عارفة كل واحدة فينا مسافرة لهدف معين مستنيها … أنا مسافرة عشان أتجوز تامر وأنتي كمان مسافرة عشان معاذ حبيبك.
فقالت بحزن:
– فعلاً كل واحدة فينا مسافرة لهدف معين … هدف بالنسبالها هو معني الحياة .
فتحدثت نوران قائلة:
– متقلقيش ياليزا … بكرة هنتجمع تاني لما نرجع من الأجازة … ووقتها هنشبع من بعض ونحيي من تاني الصداقة اللي إتواعدنا أنها تفضل مستمرة.
فردت ليزا قائلة:
– أتمني يجي اليوم دا بجد .
فنطقت نوران وقالت:
– هيجي … كلها 3 شهور ونتجمع إن شاء الله … يالا بقي عشان ألحق أوصلك لمحطة القطر وبعدها أروح المطار.
فاردفت ليزا :
– لسة بدري عن ميعاد رحلتك … خلينا مع بعض شوية … عاوزة أشبع منك علي قد مأقدر.
– صدقيني الفرحة واللهفة اللي جوايا عشان راجعة لأهلي ولحب عمري مش قادرة تخليني أفضل دقيقة واحدة في السكن، عاوزه أستني ميعاد طيارتي وأنا عايشة مع الأحلام اللي في إنتظاري، حضن أمي وأبويا اللي وحشني، حضن أسما اللي أكيد هتفرح بنزولي ولا تامر حبيبي اللي أخيراً هيجمعنا بيت واحد عنوانه الحب والوفاء والتضحية … تامر اللي بالنسبالي الدنيا اللي أنا عايشة فيها واللي بيه حياتي بقي ليها الف معني.
فأردفت ليزا قائلة:
– نوران أبقي إفتكريني وأنتي في الأجازة … أوعي تخلي حب تامر وحضن أسما ينسوكي ليزا … ليزا صديقتك اللي حبتك من كل قلبها وبقيتي بالنسبالها كل شيء.
فتحدثت نوران في إبتسامة مرسومة علي ملامحها قائلة:
– مقدرش أنسي ليزا القمر اللي من غيرها ماكنتش هعرف أعيش لحظة واحدة في البلد دي.
………………..
أفاقت من شرودها في ماضيها علي صوت هاتفها كانت هي التي تتصل بها، ففتحت المكالمة بلهفة شديدة وقالت:
– ليزا … تصدقي كنتي علي بالي من شوية.
– وأنتي كمان يانوران … دوشت معاذ بكلامي عنك… لدرجة أنه إبتدي يغير من حبي لكي.
فتعالت الضحكات بينهما ثم قالت نوران:
– يابختك وصلتي لحبيبك بسرعة لكن أنا لسه قدامي بحور ومسافات.
– متقلقيش هتوصلي في الوقت المناسب وهتعيشي حياتك وتفرحي زي ما ربنا عاوز.
– أول ما أوصل مصر إن شاء الله هكلمك وهكون معاكي بإستمرار.
– وأنا كمان هكون معاكي خطوة بخطوة … وكأننا لسه في هانزو.
ثم أغلقت معها المحادثة وقامت من مكانها كي تصعد إلي الطائرة بعدما أعلن عن موعد الإقلاع، ولكن بعد ساعات قضتها داخل الطائرة تبدلت ملامحها فجأة حينما إرتجلت بقدماها في أرض الوطن، لقد وجدتهم جميعاً في إنتظارها في حالة من الشوق واللهفة وقبل أن تذهب إليهم تفاجأت بشيء غريب لم تتوقعه قط ، لقد سمعت إسمها يتردد مرات عديدة عبر المايك هي ومجموعة من المسافرين علي متن الطائرة القادمة من الصين ، وعليها أن تلتزم مكانها ولا تصافح أي شخص في إنتظارها حتي تذهب إلي المشفي لكي تجري فحوصات لها للتأكد من سلامتها من فيروس كورونا ، فارتسمت الدهشة علي ملامحها لأنها غير مدركة لما يحدث، ما هذا الفيرس الذي يتحدثون عنه ؟ أنها لم تسمع عنه علي الإطلاق ولو كان موجوداً حقاً ما قد سمحت لها دولة الصين الذهاب إلي بلدها حتي تتعافي منه. ظلت تنظر لهم في دهشة مفرطة وحزن نابع في كيانها وفجأة ترقرقت الدموع في عيونها من موقفه الذي يحمل الغرابة والتساءولات داخله، لقد إبتعد خطيبها عنها بعكس أمها وأبيها وصديقتها أسما، ركضوا إليها وأرتموا بين أحضانها لكي يشبعوا ظمأ الفراق الذي إستمر لأربعة أشهر متوالية، كانت بين أحضانهم بجسدها ولكن عيونها كانت ترمقه نظرات الخذلان والضعف، كانت غير مصدقة لما شاهدت، أهذا هو الشخص الذي أحبته بشدة وأصبحت متيمة به، أهذا هو تامر التي عادت من أجله كي تكمل حياتها معه، أهذا هو العاشق التي باتت تحلم بيه ليالي طويلة من أجل حبه العالق بين ضلوعها، إنه تامر يبتعد عنها الآن ولا يريدها خوفاً علي نفسه من أن تكون حاملة لفيرس لعين يهدد حياته ومستقبله.
كانت الدموع تمزق فؤادهم جميعاً بإستنثاءه هو، وذلك عندما ذهبت إلي سيارة الإسعاف التي تنقلها إلي المشفي لكي تجري لها الفحوصات اللازمة للتأكد من سلامتها أو حملها لذلك الفيرس، وعندما وصلت إلي المشفي كانت في حالة من الضعف والكسرة وذلك عندما حدثها الطبيب قائلاً:
– هناخد منك مسحه عشان نتأكد من حالتك ونشوفها إذا كانت إيجابية أو سلبية .
فقالت له في فزع:
– ولو النتيجة إيجابية إيه اللي ممكن يحصلي يادكتور!!.
فرد عليها قائلاً:
– هتتعزلي في مكان بعيد لمدة 14 يوم وهناك هتتلقي العلاج اللازم.
في تلك اللحظة بكت بكاءاً مريراً مزق ضلوعها ودمر كيانها وذلك عندما أحست بأنها إنسانة منبوذة وخطرعلي المجتمع بأكمله، لقد إبتعد عنها حبيبها فجأة لمجرد فيرس من الممكن أن يكون عدو لها وليس حليفها .
وبعد مدة بسيطة إنفرجت أساريرها وذلك حينما أبلغها الطبيب بأنها غير حاملة لهذا الفيرس الذي يهدد البشرية، لقد عادت الروح إليها من جديد بعد هذا النبأ العظيم، هذا النبأ الذي سيبني عليه أحلام كانت قيد التحقيق وهو زواجها بحبيبها التي عادت من أجله، ولكن فجأة إرتخت أعصابها وتبددت قواها وأنحبست أنفاسها وذلك حينما أتت إليها رسالة نصية علي هاتفها الخاص، فكان مضمون الرسالة كالأتي:
– نوران أنا مش هقدر أكمل معاكي ، أنتي ممكن تكوني حاملة لفيرس كورونا ومن السهل جداً أنك تعدي كل اللي حواليكي وأولهم أنا بما أننا هنتجوز.
وفجأة خرجت منها صرخااات قاتلة مزقت فؤادها وعلي أثرها تقدمت إليها صديقتها أسما التي كانت في إنتظارها متسائلة، كانت تصرخ وتهتف عليه قائلة:
– أنا مش مريضة ياتامر … أنا مش مريضة ..
ثم وجهت حديثها لصديقتها قائلة :
– أسما أنا معنديش كورونا …الدكتور قالي إن نتيجتي سلبية وممكن أخرج النهاردة قولي لتامر كدا … فهميه عشان خاطري أني كويسة وأني نزلت عشان نتجوز ونبدأ حياتنا سوا ..
ثم أكملت حديثها بصوت واهن باكي :
– حياتنا اللي هو نهاها بإيده لمجرد ظنون ملهاش أي أساس من الصحة.
فأشفقت أسما علي حالتها ثم أخذتها بين أحضانها وحاولت تهدئتها ،وفي اليوم الثاني ذهبت إليه في منزله وهي في حالة من الحزن العميق المتمركز في ملامحها وداخلها ثم قالت له:
– تامر أنا كويسة … النتيجة طلعت سلبية … ولو مش مصدقني ممكن تشوف التحاليل بنفسك وتتأكد.
فتحدث قائلاً:
– حتي لو حللتي والتحليل طلع سلبي أنا بجد مش هقدر أكمل معاكي ، الفيروسات من الصعب علاجها وأنتي راجعة من الصين مستوطن الفيروسات والأمراض المعدية.
ظلت تنظر له بعيونها المدمعة وبقلبها الحزين الباكي وكأنها تستعطفه لكي يتراجع عن قراره ويعود إليها ولكنه إستدار بجسده حتي لا تتلاقي العيون سوياً ، فما كان عليها إلا أن رحلت وتركته بعدما أغلق الأبواب في وجهها ، وبعد أن خرجت من منزله ظلت تسيرفي شوارع المدينة دون هدف واضح وكأنها ضلت الطريق الذي كان معلوم لديها في يوم من الأيام ، وفجأة رن هاتفها فظنت أنه هو من يتصل بهابعدما تراجع عن قراره ولكنها وجدت رقم صيني علي شاشة هاتفها ففتحت المكالمةعلي الفور ظنا منها بأنها صديقتها ليزا ، ولكن فجأة خرجت منها صرخة مدمرة وعلي آثرها جثت علي ركبتيها ثم تعالت صرخاتها حتي إنطلقت إلي عنان السماء إنه معاذ خطيب ليزا هو من كان يتصل بها من أجل أن يبلغها بخبر وفاة صديقتها ليزا التي أصيبت بفيروس كورونا التي أخذته منه عندما أتت إليه في تلك المدينة
الكاحلة ، تلك المدينة التي إزادات الأعداد فيها بسرعة رهيبة وكأنه صاروخ مدمريأكل كل من يقابله ، ولولا مناعة معاذ القوية لمات هو الأخر ولحق بمحببوته .ماتت الأحلام فجأة دون سابق إنذار، ماتت وتركتها تعاني وحدها من هول الأيام ،مكثت في غرفتها لمدة أسبوع كامل وهي فاقدة لكي شيء حولها ، كانت تحيا فقط مع تلك الذكريات التي تبخرت عنوة في السماء ، لقد رحلت ليزا ورحل تامر حبيبها وأصبحت من بعدهما في عالم أشبه بعالم الأموات وماهي إلا دقائق معدودة وقد فتح باب غرفتها ثم توجهت إليها صديقتها أسما التي لم تتركها قط وأخذتها بين أحضانها حتي تهدأ ثورات حزنها الهائجة ثم حدثتها قائلة:
– أنتي تحمدي ربنا علي فيرس كورونا اللي إنتشر في الوقت دا مش تلعنيه ، مينفعش تفضلي قافلة علي نفسك وتدمري حياتك بسبب شخص في البداية محبكيش.
فنظرت لها نوران وأنصت لها بكل جوارها بعدما لمس حديث أسما فؤادها ، ثم تابعت أسما حديثها قائلة:
– نوران ياحبيبتي ربنا ليه حكمة تنزلي في الوقت دا بالذات ، يمكن لو كنتي فضلتي بجد هناك كان ممكن يحصلك زي ما حصل ل ليزا صاحبتك وتموتي من المرض ، والحكمة الأكبر إن ربنا نور بصيرتك وخلاكي تفوقي من غفلتك ، كورونا كشفتلك حقيقة الشخص اللي أنتي فضلتيه عن أي حاجة حتي عن نفسك ، هو نفسه الشخص اللي باعك في أول محطة وكأنه ماصدق يلاقي سبب أنه يبعد عنك ، فوقي لنفسك يانوران ومتستسلميش ، أوعي تستسلمي لأي حاجة ممكن تكسرك ، مستقبلك هنا في مصر بلدك اللي بأمر الله هتثبتي فيها نفسك وهتكوني أكبر دكتورة في الجامعة.
وبعدما إنتهت أسما من حديثها جففت نوران دموعها ثم أمسكت هاتفها وأرسلت له رسالة نصية محتواها كالأتي:
– أنا بشكر فيرس كورونا من كل قلبي لأنه شال الغمامه من علي عيني وعرفني قد إيه إني كنت عايشة في وهم إسمه الحب ، خذلانك ليا ورحيلك اللي كسرني أثبتلي أن الفيرس مش موجود في الجسم ولكن الفيرس موجود في العقل ، في تفكيرك وتفكير اللي زيك ، بجد أنا أسعد إنسانة لأني قدرت أقيم كل حاجة قدامي وأوعدك أني أحيا بحياتي بس بعد ما أردم علي كل الذكريات اللي كانت بتجمعنا.
. ………………
ممكن حدث بسيط مفكره أنه هيدمرك ويقضي عليك يكون هو نفس الحدث اللي حب يبين ليك حقايق الناس اللي أنت أدتلهم أكبر من حجمهم ، الفيرس مش فيرس جسم ، الفيرس فيرس عقل ولو إتفشي في المجتمع تأكد أن المجتمع من السهل أنه يغرق في بحر من الجهل والتخلف والفكر العقيم.

فيروس العقل
بقلم عادل غالي

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.