الكاتب حاتم سلامة ورؤيته عن أوراق الحب الأخيرة للكاتبة نهاد كراره


 

أوراق الحب الأخيرة.. رسائل تعلمنا الإحساس، قبل أن تمتعنا بالأدب

الأديبة نهاد كراره ذلك الاسم اللامع في سمائنا الأدبية، يمكن لك أن تتخيلها من هؤلاء الأدباء أو الأديبات اللاتي تظلمهن بيئتهن التي تكفر بالنبوغ والموهبة، والابداع الحقيقي.. لكننا نؤمن أن الدنيا لو تغيرت، وصرنا في مناخ يقدر أصحاب المواهب، فإن هذه الأديبة سيكون لها شأن يذكر، وموقع مختلف لما خلفته من جهود أدبية، وإن شئت فقل: جواهر ثمينة في دنيا الأدب والإبداع الروائي.
عرفنا نهاد من زمن كبير، وتابعناها دومًا في كل ما تكتب، عرفنا نوازعها وشواغلها، حماسها وفتورها، غضباتها وسعادتها، أحزانها وأفراحها، نُبلها ومروءتها، طبيعتها وسمتها، وشخصيتها المضيئة التي تتسم بالوضوح والجدية، والتي جعلت لها مكانة في كبيرة في عقولنا، وتقديرا بالغ الاحترام كلما جاء ذكرها، أو مررنا بنشوة على سطور إبداعاتها وإنتاجها الأدبي الفريد.
منذ حين دار حوار عن الكتاب الذين يكتبون ولا ثقافة لهم، وبعض المعلقين جزم أن هذه الفئة قد تجد كثيرا منها بين هواة الروايات والقصص الأدبية، وهذه حقيقة مؤكدة فليس كل من يكتب يكون على وعي وثقافة ومعرفة واقتدار، لكن هذه الصورة تزول تماما وتنكرها شديد النكران، حينما تقرأ للأديبة الموهوبة، وتستلهم من سطورها كثيرًا من معاني النفس والإنسان، التي جعلت منها محطات يهيم القارئ في إيحاءاتها الرنانة.
في كتابها المنشور (أوراق الحب الأخيرة) والذي كان مجموعة من الرسائل الأدبية في النفس والحياة، يمكن لك أن تتخيله وأنت تقرأه، على أنه تحفة ثمينة أو صورة فنية رسمتها ريشة رسام بديع، أو سيمفونية عزفها موسيقار موهوب، نعم هذه هي الصورة التي تتجسد في عقل القارئ لو أنه قرأ هذه الرسائل القشيبة، التي قدمت فيها الكاتبة جملة من الصور الإنسانية والبيانية الشاعرة، وحملت بين طياتها نصوصًا لا ينطق بها إلا حكيم أو فيلسوف يستقي أدبه وحكمته ورشده من هموم النفس، وجراحات الحياة.
يقف المرء أمام بعض العبارات المكتوبة في هذه الرسائل موقف المعجب العاجز في تأملها ليُسائل نفسه كيف استطاعت الكاتبة أن تصيغ هذه التعبيرات بهذه القدرات الحكيمة؟ وكيف استطاعت أن تصيغ هذه المعاني والإشارات التي تتطلب دربة كبيرة تمكن الأديب أن يستخرج ما في مكنونات نفسه من المعاني والإشارات بإجادة واقتدار؟
كانت هناك بعض الجمل التي استوقفتني كثيرا معيدا لها ومكررا لمنطوقها، تكرارًا يشوبه استحسان كبير، فانظر معي إليها وهي تقول:
(إنني أظل أزرع زهرا فأجني علقما، أمنح عطرا جميلا فيتساقط على رأسي مطر القبح)
وتقول: (ها هو العمر يمضي دون أن يصاحبني فيه سوى الحزن، أما البكاء فهو الصديق الوفي يترك آثاره على الروح بلا هوادة كلما عظمت الخيبات ومر العمر)
وتقول: (أحمق من يفني حياته في البكاء)
وتقول: (كل يوم نرتدي قناع الحياة وقلوبنا المتوفاة من زمن تهزأ منا)
وتقول: (نخرج إلى العالم مقسمين أننا نحيا وأننا أقوى من أي شيء، ثم يحل الليل على أرواحنا الوحيدة فتنهار كبناية قديمة فجأة وبلا مقدمات)
وتقول: (أنا الآن على بعد خطوات من السماء وحين أصعد سأروي لله تعالى كل شيء)
وتقول: (حب أبدي يسري مني إليك، خيط رفيع يمتد ما بيني وبين التي عبرت إلى العالم الآخر)
وتقول: (أعلم أنني بجهد شديد أخفي اشتياقي إليك خلف ستار مختلف من المشاعر الأخرى)
وتقول: (رغم أنك صديق خيالي وحبيب ليس لك وجود إلا أنك الوحيد الذي ساندني في ضعفي كي لا يراه الأخرون)
وتقول: (كل إشراقات وجهي معك وابتساماتي البلهاء تخبرني بحماقتي حينما أحببتك)
وتقول: ( كنت أبني الجسور دومًا وأنت تبني السدود، كل ما أفعله حاليًا أنني أبني سدا بيني وبين الغد)
وهكذا دواليك من محطات الجمال العقلي والفكري والبياني والبلاغي والشعوري، تجدها كلما أمعنت في قراءة هذه الرسائل السامقة، والنصوص الباهرة، التي ضمها كتاب الأديبة الواعدة.
كنت قد أزمعت أن أكتب تقييمي ورؤيتي لهذه الرسائل، لكن الكاتبة أرغمتني أن أتجه نحوها لأشيد بقدراتها وإمكاناتها ونفسها وقريحتها التي أفرزت هذه المعاني الخصبة الطاغية.!! طاغية في جمالها ودقتها وإحساسها.
خيل إلي وأنا أقرأ هذه الرسائل أنني رهين كتاب أدبي يحمل خواطر كاتبة، لكنه في الحقيقة ترجم عن نفسه، وكشف عن بريقه، وأعلن عن مكانته، فإذا به كتاب في فلسفة الحياة تزيا بثوب الأدب.
تجبرك كل كلمة فيه وكل سطر به أن تعيش معه.. بل لدى كلماتها في بعض ما كتبت، قدرة كثيفة تستدر الدمع أحيانًا من مقلة العين، أو تشعل حماس العاطفة كلما أوغلت في قراءتها.
يقولون: إن الأديب الجيد هو الذي يعكس معانيه وصوره من الواقع الحياتي، وهكذا فعلت الكاتبة، حينما استلهمت صورا عديدة نجدها بيننا وحولنا وتحيط بنا في صديق أو حبيب أو فقيد، وهكذا الأدب النافع الذي يتصل بمعترك الحياة وهمومها الكثيرة، ليكون سلوة للإنسان وهو يخوض ملاحم الصراع معها وفيها.
الأديب الجيد من يكتب بآلامه قبل أقلامه، وهو ما صنعته الأديبة حينما عكست صورًا حياتية تستحق التسجيل والتأمل والتعبير والشعور والإحساس بها.
لم يكن لهذه الرسائل الدافقة أن تغيب عن دنيا الرومانسية التي هي أيقونة الأدب ونغم الإحساس ورنين المشاعر، وقد نجحت الكاتبة أن تصبها في قوالب مبهرة تسر العين، وتستنبت إعجاب القلب والعقل معا، تقول الكاتبة الأديبة:
” نظرت إليك لأتأكد، أخبرتني عيناك ألا أخاف ونحن معا، أسمعتني مقطوعة موسيقية هادئة ودندنا معا أغنية بسيطة، ابتسامة عينيك تغمرني سكينة، دوما ما تنسيني عيناك كل شيء، ورأسي حينما يستند على كتفك أملك العالم، وحين يغفو كفي داخل كفك يمنحك السلام، مجرد وجودك يطيب كل الآلام بهدوء ودون مجهود حتى ولو كان حلما ما”
يستطيع كل كاتب أن يكتب في الرومانسية، ويبتكر المعاني الجميلة والتعبيرات الرقيقة، لكنهم قليل أولئك الذين يملكون الذكاء ليمزجوه بأقلامهم فيكتبون المعاني المدهشة، التي يصفق لها القارئ معجبًا بلمساتها، وهو ما طرقته الكاتبة في قولها:
“أتعلم أنني دومًا ما أدعو الله أن يسترد وديعته فأموت قبلك، أو ليتني أموت إن توقفت عن حبي يوما؟!
ربما أنانية مني حين أدعو الله أن أرحل أنا عنك قبل أن ترحل أنت مني، لكنني حقا لا أستطيع الاستمرار في عالم يخلو منك”
لكن الكاتبة وفي كثير من رسائلها تصدم الرومانسية صدمات مميتة، حينما تُخبر من يسلكون طريقها، أن الحب نهايته تعيسة ومآله فراق، فلا تزرع فيهم الأمل ولا تجعلهم يهنؤون بما يخيله لهم العشق من عش لتيقيان فيه ومن هذا قولها:
“أنا وأنت قصتان بلا نهاية، بداياتنا مشوشة، أبطالنا مهزومة، حدود بلادنا الفضاء اللامنتهي والذي نضيع فيه بلا أمل كل ليلة، أنا وأنت كنجمتين في عتمة السماء اصطدمتا ففاض النور من حولهما، لكنهما تهشما حينها، فلا بقينا كما كنا قبلها ولا اجتمعنا فقط تلاشينا كسراب”
حينما خطت الكاتب هذه الأوراق التي تدفع بكثير من المعاني التي أثرت في عواطفنا بموجات ملهبة من الإحساس العميق، يمكن لي وبكل يقين أن أقول: إن هذه الرسائل تنمي الإحساس في النفس، وتعلم من يقرأها كيف يكون رقيقا؟ ينبض قلبه بالمشاعر الحية والحب الصادق نحو الآخرين.
الكاتبة نهاد يتميز أسلوبها بالوضوح ورفض الغموض، والبعد عن كلاكيع الجمل والألفاظ وتقعرات المفردات، وهي السهولة التي يتقنها الأديب المحترف الذي يريد أن يصل إلى قلوب الناس، والذي يكتب بإحساسه قبل أن يكتب بقلمه.
لقد قرأت كثيرا من خواطر النفس ورسال الوجدان، والحق أن أغلبها كان يعاني من الشرود وعدم التركيز في المعنى المراد، والرغبة العنيفة في الخروج عن الموضوع عند بعض الكتاب، وكأنه يغترف خواطره من بحر مظلم قاتم السواد، لكن أديبتنا يضاف لها ويحسب لرسائلها، أنها كانت قوية التركيز ثاقبة واضحة مواصلة متتابعة لا زوغان فيها ولا شرود.
وفي الختام، لعلنا نشكر آلام الحياة التي اكتنفت كثيرا من الأحياء، حتى جاء هذا القلم صاحب الضمير، ليشعر بأنينها ويسجل ويجسد بعض آلامها في رسائل إنسانية فائقة الجمال، تعلمنا الإحساس قبل أن تمتعنا بالأدب.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.