طفل برئ تكتبها هبه فرج محمد


 

طفل برئ
.

لقد أصبحت الساعة العاشرة مساء وأنا لازلت بمكتبي الخاص غارقة وسط أوراقي وحساباتي فتأهبت للرحيل حيث قد أصبح الوقت متأخر فبدأت ألملم أوراقي ثم نهضت من علي كرسي مكتبي وقمت بإطفاء الأنوار ثم أغلقت الباب مغادرة ونزلت مسرعة ثم أستقليت سيارتي وفجأة أثناء قيادتي أستوقفني بالطريق رؤيتي لطفل صغيرنائم منفرد علي إحدي الأرصفة لقد شد إنتباهي إليه حيث كان يرتعش فلقد كان الوقت حينها شديد البرودة ولا يتحمل أي رجل لبرودة تلك الساعة فما بالكم بطفل ذات عمرصغير وجسم نحيل ضعيف ومرتدي لملبس خفيف تملئه فتحات عديدة بل كاد معظمه مقطع مهلهل لا فائدة من لبسة بالأساس فعظم أجزاء جسده كنت أطالعها بعينيه ففي تلك اللحظة إنتابني شعور حزن وأسي شديد فسالت مني الدموع في لحظتها دون توقف وأنا لازالت بسيارتي لم أقدم علي النزول أوالإقتراب منه وبعد فترة ليست بوقت طويل بل تقاس بمقدار خمس من الدقائق أستجمعت نفسي ونزلت لكي أجد إجابات لإسئله عديدة روادت نفسي نحوه وبالفعل نزلت من سيارتي عازمة علي الأقتراب منه والحديث معه وعندما أقتربت منه لاحظت جسمه يرتعش ويرتعش أكثر مما كان عليه عندما كنت بسيارتي فقمت بخلع معطفي ثم غطيته برفق حتي لا أقلقه أو أخيفه وجلست بجانبه أنظر إليه وحينذاك دارت تساؤلات عديدة في نفسي ( فمن الذي أتي بطفل إلي هنا ليرتمي به منفرداً هكذا علي الرصيف حتي يغفو ويسير في نومه هكذا بهذه الملابس التي يظهر الباقي منها أنه ربما ينتمي إلي أسرة متوسطة الحال فبدأت أحكي مع نفسي ربما له أب وأم ولكنهما قد أفترق عن بعضهما للأسباب التي لا يعرفها غيرهما حتي هذا الطفل المسكين لا يعرف ماذا جني حتي يرتمي علي الرصيف هكذا فربما رغبة إحداهما للطلاق والإبتعاد عن الآخر هو سبب الضياع الذي تخلل لإبنهما فربما بعد الإنفصال أقدم الأب علي الزواج والأم هي الأخري لم تجد غير مماثلة الأب بالزواج من رجل آخر وهذا المسكين لم يجد أمامه غير الرصيف يحتويه بسبب كره زوج الأم له ورفض زوجة الأب له ونسيان والديه له ولم يفكرو في مصيره وهو للأسف لا يملك من الحيلة شئ سوي رصيف يحتضنه بالليل وربما في النهار يسعي عليه متسولا وهنا تولد بداخلي سؤالا لتلك الأسرة الظالمة فإن كان عليكم الفراق فما ذنب الطفل بالضياع ألم تعلموا أنه دعائكم في الدنيا و الآخرة فوالله ويلكم ثم ويلكم من دعائه ثم أخذت ألملم نفسي وربتت عليه لايقاظه فقام من نومه مرتعدا خائفا قائلاً: من أنتِ ؟ وماذا تريدين مني؟ حينها قشعر كل جسدي فكان صوته برئ يدل علي قلة حيلته فرد قلبي عليه وقتها لا تخاف حبيبي فأنا مثل أمك فلا تخف مني فظل يبكي دون إنقطاع فأربت علي كتفيه حتي يهدأ من بكائه وفجأة وجدته قائلاً: الله يرحمك يا ماما فأنهمرت في البكاء ثم سألته بصوت حزين من أتي بك إلي هنا ؟ رد قائلاً: زوجة أبي التي تزوجها بعد وفاة أمي فبعدما هو الأخر فاضت روحه رمتني من بيت أبي وأمي في منتصف الليل إلي الشارع وحدي بملبسي هذا دون مأكل أومشرب فأنا بالشارع منذ حوالي شهر أوربما أكثر فقد أصبحت الأيام لي مجهولة فلا أعلم اليوم من الأمس بل أصبحت أعلم فقط رائحتي الكريهة من قلة الأستحمام وملبسي الممزق الذي لا أملك غيره ليستر جسدي من برودة الشتاء القارص وكسرة نفسي عند سؤالي للقمة العيش فلم أقدر علي الكلام وقتها شعرت وكأنني خرساء لا أملك أن أنبس بأي كلمة ولكن تمالكت نفسي ثم قولت له يا حبيبي لا تخف سوف أخذك معي وسأكون لك أم بديلة ربما أستطيع أن أنزع من عقلك قهرالظروف لك وبالفعل وافق الطفل علي الذهاب معي وأخذته وأصبح مكان معيشته الدائمة بمكتبي وتوالت الأيام حتي أصبح الطفل شاب بالثانوية العامة وفوجئت في حفل التكريم المنظم من إدارة المدرسة لتكريم الأم المثالية بأنني أكرم من قبل الإدارة بعد تزكية أبني الذي كان ذات يوم طفل برئ مرتمي علي الرصيف.

بقلمي هبة فرج محمد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.