نهاد كرارة تكتب25 إلى مبَعثَرات نون (رسائل)من كتابها أوراق الحب الأخيرة الثلاثاء من كل أسبوع


 

إلى مبَعثَرات نون

 

عزيزتي نون المبعثرة..

ليتكِ تعلمين أن الأشياء والعلاقات لا تسير كما نريد أبدًا، نحن أيضًا نختلف عن ما نريد، وهُم أيضًا لا يستطيعون رؤيتنا كما نحن على الحقيقة، فنحن لم نخبرهم بما يؤلمنا أو يسعدنا، فكيف لهم أن يعرفوا بمفردهم؟!

عزيزتي نون..

بعض الأوقات أشعر بالغباء الشديد جدًّا لأنني ما زلت أؤمن بالمشاعر رغم كل ما حدث، فأُصاب بالصداع، حتى إنني أودُّ أن أسحقَ رأسي علَّه يستريح.

أنتَ أيضًا تصيبني بالصداع والخيبة والإحباط، والكثير من البكاء كلما تذكرتُ كيف مضى بنا العمر أنا وأنتَ بكل ما به من حوادث.

عزيزتي نون..

أشعر أن الكلمات تنتهي قبل أن تبدأ، وأنني لا أصلُح لشيءٍ إلا الخيبات، لا أصلح لمُخالَطةِ البشر، فأنا فاشلةٌ في اختيارهم ومعرفتهم والحُكم على صلاحِهم من طلاحِهم، لا أصلح حتى لاتخاذ القرارات ولا للاختيار، ولا للسعادة! ربما أنا أريد المستحيلات كلها، أريد هرتي الصغيرة المتلاشية عبر الزمن، وعمري الضائع وابتسامتي المفقودة وقلبًا جديدًا وروحًا لم تنكسِر، وشخصًا يخبرني كل يومٍ أن كل شيءٍ سيكون على ما يرام ما دام هو بجواري.

عزيزتي نون..

أتعلمين أن طبيبًا نفسيًّا انتحر بالأمس! لا أعلم هل أنا السبب أيضًا رغم أنني لا أعرفه، أم أنه فقط اكتشفَ الحل، أتتخيلين أن ينتحِر طبيبٌ نسعى إليه لنُطبِّب النفس! أتتخيلين أنه لا سبيلَ إذًا!

عزيزتي..

الأيام لا تمضي، هي فقط تسحقنا، تُجرِّدنا من كل جميل، والخيبة تظلُّ إلى الأبد، تتضاعَف إلى أن يأتيَ اليوم الذي ستبتلِعنا فيه بكل ما فينا من سوءٍ وألم.

أنا لستُ على ما يرام عزيزتي رغم كل شيء وكل ما أقول وكل هؤلاء البشر، وفي الحقيقة، لا يوجد أحد معي، دومًا لا أحد!

أريد شخصًا واحدًا فقط معي يا نون، شخصًا يمنحني ابتسامة عينيه في اللقاء، أستيقظُ لأمنحه ابتسامة الصباح وقبلةً على الجبين فيختطِفني في عناق، أضحك على نكتِه السخيفة ويضحك على قفشاتي القديمة، أُعِد له إفطارَه فيشكرني بقبلةٍ على كفي، نُعِد معًا كوبنا المفضل، نتشارك قطع الكيك الصغيرة والحلوى، والموسيقى والأفكار.

شخصٌ واحدٌ يا نون!

يمشي معي على شاطئ البحر في الخامسة صباحًا، يُعلِّمني السباحة في السادسة، نمارس رياضةً خفيفةً في الثامنة، ويمر اليوم دون أن ندري كيف مر معًا.

شخصٌ وحيدٌ حينما أُلقي برأسي المتعب على كتفه يستوعِب ألمي دون أدنى كلام، يستمع إليَّ بلا ملل، لا أخجل من أن أُخبره بأنني مريضة، مُتعَبة، فرِحة، ملولة… أو أن أخبره بآمالي التي قد تبدو ساذجة أو صعبة التحقيق، لا أخجَل من دموعي أمامه والتي ستكون في عناقه، لا أخجل من أن أشيبَ بجواره ولا أن يرى تجاعيدي، يشاركني تفاهاتي وأستمع إلى معقداته باهتمام حتى ولو لم أفهمها لكنني سعيدةٌ بأنه يتحدث إليّ.

شخصٌ يمنحني اهتمامًا خاصًّا ويصبح عالمي. كيف لكل تلك البلايين من البشر ألا أجدَ فيهم شخصًا وحيدًا لي يا نون؟!

شخص كما أرغب تمامًا، لأكون له كما يرغب.

لذلك أنا تعيسةٌ جدًّا، وأتمنى أن أجدَه غدًا في الجنة.

 

1 Comment

  1. ربما الأستاذة نهاد برسالتها إلى ن وبساطة الكلمات الا انها منهاح حياه كامل ورسالة من أستاذتنا للجميع
    الحياة أغنية فغنِّها، الحياة لعبة فالعبها، الحياة تحدٍّ فواجهها، الحياة حلمٌ فحاول تحقيقه، الحياة تضحية فتقدّم لها، الحياة هي الحب فاستمتع بها.
    جميل جدا ورائع وراقي منهاج حياه
    شكرا لك أستاذة

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.