هناء مطر تكتب السجينة


 

 

السجينة

كعادتي، استيقظ مبكرا وبداخل أذني طنين مستمر، أنظر لوجهي في المرآة، أعد الخصلات البيضاء في رأسي، وكم من التجاعيد حفرها الزمن في وجهي، احتسي قهوتي السادة، أتصفح رسائلي، لا جديد

أرتدي ملابسي القاتمة وأخفي حزن عيني وهالاتي السوداء بنظارة شمسية، أخرج من بيتي وآلاف الأيادي خلفي تشدني للوراء وهي تقول:- العالم في الخارج قبيح، العالم ملوث، ابقي في منزلك

أغلق باب شقتي خلفي، أنظر للمصعد وأقول لنفسي:- لا، مازلت أخاف الأماكن المغلقة وأتذكر دائما الفيلم العربي “بين السماء والأرض”، أنزل على درجات السلم وأعدها، واحد هو الله، اثنان أبي وأمي، ثلاثة الأصدقاء

اه ربما نسيت أغلاق أنبوبة الغاز، أصعد مرة أخرى ليطمئن قلبي ثم أخرج مسرعة؛ لقد تأخرت على عملي

أقف على الرصيف، أنظر للسماء والأشجار وصوت الغراب الأسود يزعجني، أنتظر عربة غير مكتظة بالناس، حرارة الشمس تذيب أفكاري، يتصبب جسدي عرقًا

لقد وضعت مزيل لرائحة العرق، وياليت الجميع يفعل ذلك بعد الاستحمام في الصباح، روائح البشر في الصيف لا تطاق

يا الله، الساعة الآن التاسعة صباحًا، لقد تأخرت جدًا، لا بأس، المدير يغضب قليلا ولكنه في النهاية يقول:- يا ابنتي حاولي الحضور مبكرًا، ربما تأتي لجنة مراقبة، ماذا أفعل حينها؟!

وكعادتي ابتسم له وأقول:- حاضر

أخيرا وقفت عربة أمامي، صعدت وجلست بجوار النافذة، أنظر لعيون السائق في المرآة الأمامية، عيونه حمراء ربما لم ينم جيدا، ربما يشرب ممنوعات كعادة السائقين، بجواري سيدة سمينة ترتدي عباءة زرقاء، تجلس على مقعدين، تضحك مع رجل يجلس خلفي، وتتحدث مع الجالس بجوار السائق، تتحدث عن شهامة السائق، وزفاف ابنته، ويضحكون

أشعر بالقلق، وجوههم غريبة وربما أنا الغريبة بينهم
يحاولون فض عذرية صمتي بضحكهم، يريدون مشاركتي أحاديثهم وضحكاتهم

ربما هم عصابة لبيع الأعضاء، الرجل خلفي صوته يقلقني، ربما سيخرج قطعة قماش بها مخدر ويضعها على فمي؟
ربما تركب سيدة معهم كي تطمئن الضحية وتركب معهم هي أيضا؟!

لمٓ صعدت معهم؟!
لمٓ لم أعد إلى منزلي وليحترق العمل بما فيه؟!

رآني السائق في المرآة حينما كنت أنظر له، ربما شاهد قلقي وخوفي ثم قال:- حضرتك نازلة فين؟

نظرت له أيضا في المرآة وقلت:- أمام المخبز

أعض على شفاهي، وبأظافري أشد قشرتها

قدمي ترتجف
لمٓ كل هذا الخوف؟!
لا أعلم
ثم قلت:- على جنب بعد أذنك

توقف السائق، وتنفست الصعداء

أسير في الشارع وأمعن النظر في الوجوه، وجوه سمراء من حرارة الشمس، وجوه عابسة، عالق بها الحزن، ربما الخوف على لقمة العيش
البعض يرتدي كمامات، البعض الآخر يتركها على الله

لكن كل العيون تتفحص جسدي، تنظر لي وكأنني عارية

ربما نسيت أرتداء حمالة الصدر ونهداي يهتزان؟!
اتحسس صدري، أزرار ثوبي ربما نسيتها مفتوحة، لا شيء مما أظن
ربما زاد وزني ويهتز جسدي حينما أركض هكذا

حسنا، لابد من إبطاء حركتي

لا يهم العمل اليوم، ماذا سيحدث؟!
اليوم مثل البارحة ومثل الغد
لا جديد

الجميع يلتف حول عربة فول، يلتهم في نهم، أسنانهم صفراء، عالق بها قطع جرجير خضراء وفتات الطعام
لا أعلم كيف يثقون في الطعام خارج المنزل؟!
لمٓ لا يفكر أحد أن البائع ربما عطس أثناء إعداده أو جرح إصبعه من السكين وسقطت قطرات دماؤه في الطعام، ربما حامل لفيروس معدي، ربما أصابه سعال وتطاير جزء من لعابه وسقط في الفول

لا أعلم لمٓ تتوه العقول وقت الجوع؟!

لا يهم، فكل شخص يحمل عقلا في رأسه وليفكر به أو يجعله يصدأ

الساعة الآن العاشرة صباحا، أمسكت هاتفي الخلوي، أتصلت بصديقتي

الو

ايوة يابنتي أنتي فين؟!

أمام الباب

طب ادخلي، لسة منتظرينك

ادخل يعني؟!

اه، تعالي

دخلت إلي عملي، أنظر لوجه البواب، لا أعلم لمٓ لا يطمئن قلبي له؟!
الجميع يقولون أنه رجلا طيب
ولكنني أقرأ الوجوه جيدا، ومن ممرات العيون أصل إلى الروح

ربما الأرواح جنود مجندة كما يقولون، منها من تنافر ومنها من أتلف

ربما
ولكنني أشعر أنه لص، يسهر الليل في شرب المخدرات

لا يهم

قابلني المدير وهو يصرخ في وجهي قائلا:- أتاخرتي قوي، بعد كده هغيبك من غير تفكير

لم أنبس بكلمة واحدة
فقط أنظر لتعابير وجهه، ربما غاضب لأن زوجته أمتنعت عن فراشه بالأمس

تشدني صديقتي من أمامه قائلة:- معلش أنت عارف ظروفها ومش هتتأخر تاني

صعدنا إلى الدور الثاني، جلست على مكتبي وأخرجت كل ما بداخل حقيبتي فربما سرقت محفظة نقودي وربما سقطت حينما نزلت من العربة

كل شيء تمام

قالت صديقتي:- ها اطمنتي على حاجاتك، أعملك شاي معايا؟

نظرت لها وابتسمت قائلة:- بدون سكر

ظللت أراقبها وهي تغسل براد الشاي، المج الخاص بي، هي صديقتي نعم ولكنني لا أثق بالجميع
أعدت الشاي، وضعته أمامي، أمسكت المج وأرتشفت رشفة واحدة لسعت طرف لساني، كم أكره الشراب الساخن جدا فهو يحرقني ويفقدني حاسة التذوق تماما

تركته ليهدأ قليلا، ثم أرتشفت رشفة آخرى، أطبقت عيني هنيهة، ثم فتحتها، نظرت لها وابتسمت قائلة:- شكرا

ابتسمت هي الأخرى ولم تقل شيئا.

#هناء_مطر
#السجينة
رسم/ هناء مطر

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.