أحمد زكي الحسيني يكتب الثانية صباحا


 

الثانية صباحا بتوقيت ذاكرتي تلك التي لا تتوقف عن إبهاري وقتلي في آن واحد؛ تنفض عنها غبار نفسها و تعبر كل الأسلاك الشائكة لتعلن أنها قد حضرت.
علبة سجائري بجواري؛ فوضى عارمة في أرجاء الغرفة يصاحبها بؤس مختلط بعبق فوضاوي يملأ الأرجاء.

صباح اليوم وأثناء سيري هائما كالعادة إلى حيث لا أدرى إنطلاقا نحو اللاوجهة كان أحدهم يمشي بسيارته في حي من أحياء القاهرة، أغنية حزينة تصدح من الكاسيت تخترق جدار النفس فتبعثرها، على الرغم من هيئتة الرثة التي بدت واضحة من خلف نافذة سيارته المتهالكة.
ينفث دخان سيجارته، ويفكر بعمق كأنه قائد يضع استراتيجيات نجاة لجنود في معركة أوشكوا فيها على الهلاك. ما الذي يفكر فيه؟! عدد لانهائي من الأسئلة انطلق في فراغ لا متناهي كماء انفجر من حجر ضربه موسى بعصاه!
من يأبه به وبأغنيته وسيارته تلك؟ من يلقي بالا لحياته بأكملها و عائلته إن كان ثمة هنالك عائلة؟!
هو مجرد رجل على الهامش، كومبارس في فيلم كان دوره فيه أن يذهب هو وزملاؤه مع الضابط ليلقوا القبض على أحدهم لأنه يروي أرضا غير أرضه بالشقة رقم 3201 بشارع الهرم.
أظن هذا الرجل مثل تلك السلحفاة البرمائية في حوض أسماكي هذا، غريب عن مكانه يشعر بالوحدة والحزن غير أنه وبرغم الصخب المحيط به.. يجمع كلاهما الحزن!

ترجلت عن سريري بإتجاه المطبخ حتى أصنع القهوة علني أنأى بنفسي عن تلك الذاكرة. في طريقي زجاجة عطر فارغة ملقاة على الأرض وكعادة المغفلين يكافؤن من حملت الحسن بداخلها بالإهمال والرمي!
اعترف بأني أحمق فأنا من ألقيتها وها أنا ألوم الآن نفسي_ دوما ما كرهت الأوغاد غير أني أدركت الآن أني واحدا منهم.
الزهور في المزهرية قد جفت ولكنها لم تفقد رونقها كعجوز شاب شعره فلم يزده الشيب إلا وقارا.
في اتجاهي إلى المطبخ تتوسط صورتها حائط الصالون كما تتوسط صاحبة الصورة قلبي. كانت معي في حلمي ليلة أمس وكنا كعادتنا على ضفة النهر، أهدت لي وردة وتبسمت بسمتها يخالطها الحزن أبدا!
طبعت على ثغرها قبلة، وإذ بالهاتف يرن حاولت جاهدا إستكمال حلمي، لكن كعادتها تغار، فرحلت، وأصر الهاتف، فاستيقظت في نوبة جنون انتابتني فألقيت به على الأرض بكل ما تلبسني من غضب، فهشمته!

الشطرنج أحبه ولو أن الأمر بيدي لجعلت الملك، ووزيرة في المقدمة، لا علاقة لذلك باستراتيجيات اللعبة، ولكنها فقط قناعاتي الخاطئة التي لا ألزم أحدا بها في ظل عالم يضحي دوما بالضعيف كي يحيا القوي، يسقط ألف جندي ومليونا كي يحيا هذا الملك أو ذاك.
بكل ثقل العالم على كتفي أتجاوز الردهة وأكمل طريقي، أشعل نار الموقد الكهربائي، بعدما أحضر الماء البارد، وأتذكر بابور جاز جدتي الوشاش ولمة أفراد العائلة حوله في الشتاء، في انتظار ركوة القهوة التي كانت تكفى الجميع.
كانت قهوة جدتي لا تنفد على عكس علبتي التي تحوي التي وجدتها فارغة، وكأن وحدتي تعاقبني!

بخطىً مثقلة أعود إلى الغرفة، تتبعتي ذيول خيبتي، أقول في نفسي:
لا بأس الآن بحمام بارد !

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.