حكاوي بالعامية مقاومة المارشميلو


 

في أواخر الستينات، د. والتر ميشيل استاذ علم النفس في جامعة ستانفورد، عمل تجربة اشتهرت جدا وقتها وحتي الان اسمها ( اختبار المارشميلو )
الباحثين جابوا مجموعة من الاطفال سنهم بين 4 و 5 سنين، وحطوا كل طفل في اوضة لوحده علي تربيزة وقدامه طبق فيه قطعة مارشميلو واحدة، وقالوله قدامك اختيارين :
انت ممكن تاكل القطعة دي دلوقتي، ولو استنيت لمدة 15 دقيقة من غير ما تاكلها هتاخد قطعة زيادة .. ها تختار ايه ؟؟
أغلب الأطفال وبكل ثقة اختارت انها تستني، المهم الباحثين خرجوا والطفل بقي لوحده في الاوضة مع المارشميلو، دقيقة .. دقيقتين ، اللي بدأ يبحلق فيها ويعرق واللي يهرش واللي يشمشم فيها زي الفيران

واللي يلحسها واللي بدأ ياكل منها حتت صغيرة من غير ما حد يشوفه.
في النهاية أغلبهم ضعفوا ومقدروش يتحكموا في الإغراء اللي قدامهم ومتصرفوش زي ما كانوا متوقعين نفسهم في المستقبل ! وعدد صغير من الاطفال اللي مسك نفسه لمدة 15 دقيقة كاملة .
وبعد سنين الباحثين عملوا فحص علي الأطفال اللي اتعمل عليهم التجربة دي بس اما وصلوا للمرحلة الثانوية، ولقوا ان الاطفال اللي قدروا يتحكموا في نفسهم ومكلوش المارشميلو ..كانت صحتهم احسن وجسمهم كان افضل متخنوش وكانوا أقل عُرضة للادمان وجابوا درجات أعلي في امتحان الـ SAT المعروف.
.
دان إريلي وقف علي مسرح تيد وسأل الجمهور، لو قولتلكوا تاخدوا نص علبة شكولاته دلوقتي حالا ولا علبة كاملة كمان أسبوع ؟ تختاروا ايه ؟! ساعتها معظم الجمهور اختار النص علبة دلوقتي حالا.
فـ سألهم تاني، طيب لو قولتلكوا تاخدوا نص علبة شكولاته بعد سنة، ولا علبة كاملة بعد سنة وأسبوع؟ تختاروا ايه ؟! الغريب ان المعظم اختار علبة كاملة بعد سنة واسبوع !
علي فكرة هو نفس السؤال  ، هم في الحالتين هيستنوا اسبوع عشان ياخدوا علبة كاملة .. بس قرار الجمهور اتغير اما خلينا الخطة في المستقبل البعيد .. فـ الأغلب قال بما اني هستني سنة فيها ايه لو استنيت اسبوع زيادة واخد العلبة كاملة ؟! .. وده ليه ؟؟
.
دان إيريلي رد وقال لان احنا في مخيلاتنا بنكون مثاليين ديمًا في المستقبل

هنواظب ع الرجيم وهنلعب رياضة وهنذاكر أول بأول وهنستمر في الكورسات مش هنسيفها ووقت ما نعوز نبطل سجاير هنبطلها وهنعمل بلاوي .. بس للاسف فعليا تصرفاتنا في المستقبل مش بتكون زي ماحنا متوقعين او مخططين .. طيب ليه ؟!

لان مخنا في الغالب بيضعف قدام الاغراء اللي متاح قدامه دلوقتي .. هو بيبحث عن مكافاة آنية مش بعدين ! المكافاة بالنسبة له هي نسبة دوبامين تدخله وتبسطه .. انت عارف انك لو استمريت في كورس للاخر وخدت شهادته او ذاكرت اول باول ونجحت هتفرح جدا وتصور الشهادة وتنزلها ع الفيس وهتاخد جرعة دوبامين عالية بس قدااام .. لكن تقدر دلوقتي تسيف الكورس او تأجل المذاكرة وتفتح الفيس تنزل أي بوست دلوقتي هتاخد لايكات وكومنتات وشير او تشوف كوميك يضحكك ساعتها هتاخد جرعة دوبامين آنية حتي لو صغيرة بس هتبسطك دلوقتي.. فهتفضل قاعد ع الفيس .
وعارف انك لو انتظمت في رجيم لفترة وخسيت او بطلت تدخين هتفرح جداا وهتقول للناس كلها علي انجازك وهتاخد جرعة دوبامين عالية جدااا .. بس لو عديت من قدام محل شاورما سوري مثلا ومقدرتش تقاوم وكلت واحد او اتعصبت ف ولعت سجارة هتنبسط وهتاخد جرعة آنية هتبسطك دلوقتي فمش هتخس ابدا ومش هتبطل تدخين ابدا .

احنا ديما بنكسل ونأجل الحاجات المهمة والضرورية عشان عامل (الزمن) اللي بيخلينا نفقد الدافع او الحافز في اننا نستمر في الحاجة دي حتي لو مهمة جدااا لان مخنا عارف ان المكافاة بتاعتها لسه في المستقبل مش دلوقتي.

.
كتب جونا ليرر، بعد ما حكى عن بحث والتر ميشيل في مقال ممتاز في صحيفة “نيويوركر”، أن ميشيل استنتج – بعد ملاحظة استغرقت مئات الساعات للأطفال من خلال الفيديوهات – أن الاطفال اللي قاوموا الإغراء استخدموا “إستراتيجية تشتيت الانتباه” وهي:
بدل ما يستحوذ المارشميلو المثير جداً على تفكيرهم، الأطفال ألهوا او شغلوا نفسهم بتغطية عينيهم متظاهرين بأنهم بيلعبوا “لعبة الاستغماية” تحت التربيزة ، أو قعدوا يغنوا .المهم عملوا أي شئ يشتت انتباهم او ورغبتهم في المارمشميلو.
لم تُهزم رغبتهم بل تم نسيانها فحسب . ميشيل بيقول (إن كنت تفكر في المارشميلو ولذته فإنك سوف تأكله. السر أن تتجنب التفكير فيه في المقام الأول) .
يعني بطل تفكر في الحاجات اللي هتفوتك لو مفتحتش الفيس واللي اغلبها هري او تفكر في طعم سندوتش الشاورما او البيتزا اللي صاحبك بياكلها قدامك او متعة صاحبك وهو بينفخ دخان السجارة في استمتاع مؤقت .. شتت تفكيرك بأي حاجة تانية .. ودي الاستراتيجية الأولي.
.
دان إيريلي حكي في محاضرته في تيد عن قصته مع الاستراتيجية التانية اللي نجحت معاه .. باختصار قال ان حصلي نقل دم ملوث بعد حادثة حصلتلي وده أدي اني اصاب بمرض التهاب الكبد (فيروس C) ، ومن حسن حظي ان ادارة الأغذية والعقاقير كانوا بيعملوا اختبارات طبية علي دواء يقدر يعالج فيروس C

فلو مقدرتش انضم للاختبارات دي فاحتمالية موتي كبيرة جدا في القريب العاجل بسبب تليف الكبد .. المهم اني انضميت وكان ده اكبر اختبار للتحكم في النفس ، كان المطلوب مني اخد 3 حقن اسبوعيا مع نفسي لمدة سنة ونص بانتظام واستحمل الاثار الجانبية الزبالة للدواء !! ولو قدرت اعمل كده فـ (ممكن) متصابش بتليف الكبد بعد تلاتين سنة من دلوقتي.. متخيلين

المهم ان دان نجح في الانتظام ع الدواء واتعالج الحمد لله والاهم بقي ان ادارة الاغذية والعقاقير قالوله ان انت الوحيد اللي نجحت في المثابرة علي اخد الدواء في معاده طول السنة ونص.
.
دان بيقول انا مكنش عندي تحكم بالنفس ولا صبر ولا حاجة بس عملت حيلة صغيره مع نفسي ونجحت .. انا بحب الأفلام جدا .. فـ في الـ 3 ايام بتوع الحقن .. كنت بعدي في طريقي علي محل بيبيع سيديهات أفلام واستأجر حبة أفلام حلوة كده أفضل شايلهم في شنطتي طول اليوم وافضل ابص عليهم ونا متشوق اروَّح عشان أشوفهم .. ادخل البيت اطلع الحقنة اخدها وافتح الفيلم فورا قبل ما احس باي اثار جانبية .. الفكرة اني ربطت شئ متعب جدا مكافئته هتيجي بعدين بشئ بحبه جداا مكافائته آنية .. انا برمجت مخي علي ان بعد الحقنه في وجبة شهية اللي هي جرعة الدوبامين فخلقت حافز لمخي يخليني اقوم اخد الحقنه ومكسلش.. اربط شئ حلو بشئ وحش .. يعني دوّر علي حاجة بتحبها جدا وقول هبدأ في كورس شويه وبعدين اعمل الحاجة دي .. اخلق مكافاة آنية ، وهي دي الاستراتيجية التانية والأهم.

قاوم المارشميلو تكسب حياتك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.