د. طلعت الدردير يكتب: العولمة الثقافية: الجانب المظلم


 

 

د. طلعت الدردير يكتب:
العولمة الثقافية: الجانب المظلم

لقد أورد الباحثون أكثر من تعريف للعولمة بشكل عام، فمنهم من يعرفها على أنها توحيد في النظام الدولي في القواعد والقيم والأهداف، وعرفها آخرون على أنها انتشار سريع للمعلومات والمكتبات العلمية والتقنية للحضارة، أو بمعنى آخر هي عملية التفاعل بين المجتمعات البشرية وزيادة درجة التأثير والتأثر ، والعولمة الثقافية هي عبارة عن صياغة كونية شاملة الأهداف، تُغطي مختلف جوانب النشاط الإنساني، وهي ظاهرة جديدة تستمد خصوصيتها من عدّة تطورات فكرية وقيمية وسلوكية، وقد برزت بشكل واضح خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي.
لقد أصبح العالم قرية صغيرة بسبب الثورة التكنولوجية، وبسبب أجهزة الاتصال التكنولوجي والإعلامي التي تسيطر على الشعوب وتؤثر في أسلوب حياتهم وأفكارهم مما ساهم في التأثير على ثقافاتهم الخاصة وتشابه هذه الثقافات وربما اندماجها على المدى القريب أو البعيد.
وتعد العولمة الثقافية من أكثر أشكال العولمة تأثيرًا؛ حيث تظهر بوضوح من خلال ما يحدث من تغير ثقافي للمجتمعات المحلية ومن تغير في ثقافاتهم وقيمهم، فالعولمة الثقافية وتأثيراتها الموجهة تقدم نموذجًا محددًا ومتميزًا-من وجهة نظر المرسل- على المسار الثقافي، و يتم نشره في جميع أنحاء العالم ويتداخل في ثقافاتهم مما يؤدي إلى إضعاف ثقافات الشعوب النامية المستقبلة لتلك الثقافات، ولا تعتمد العولمة الثقافية على الكتابة ولكن تأثيرها يأتي من خلال انتشارها بشكل أوسع من خلال وسائل الإعلام الحديثة وخاصة وسائل التواصل الاجتماعي والانترنت مما يبعد الشعوب عن الاهتمام بإعلام الصحف واقتناء المعلومة من خلال الكتاب أو المدارس، وأصبحت كذلك الصورة والاتصال السمعي والمرئي من خلال التلفاز والقنوات الفضائية المتعددة هي التي تحرك المسار والمحتوى الثقافي في العالم مما يجعل أي فرد يتقبل ما تقدمه له من ثقافات ومعلومات بصدر رحب حتى لو كانت مغايرة لمفاهيم مجتمعه؛ حيث تُقدم له بشكل جذاب ومشوق، ودائماً ما يشعر الفرد بأنه ينتمي إلى ثقافة الغرب والتي تعطيه إحساسًا بأنه متميز عن ثقافة مجتمعه مما يؤدي إلى تغير في عادات وتقاليد وانتماءات المجتمع وأفراده .
إن الغزو الثقافي الذي تمارسه العولمة يريد إلغاء الصراع الأيديولوجي؛ حيث يعتبر الصراع الإيديولوجي صراعًا حول تأويل الحاضر وتفسير الماضي والتشريع للمستقبل، أما الاختراق الثقافي فيستهدف الأداة التي يتم بها ذلك التأويل والتفسير والتشريع، يستهدف العقل والنفس ووسيلتهما في التعامل مع العالم .
وإن لمن أشد التأثيرات السلبية للعولمة الثقافية على الدول النامية بصفة خاصة أنها أثرت علي ثقافة المجتمعات في الدول النامية فأصبحت مجتمعات استهلاكية، ودمرت العولمة القيم الخاصة بتقدير قيمة العمل، وتحولت المجتمعات إلي تبني قيم الاستهلاك والاتكالية والتواكل، وتشتت بسببها الهوية الثقافية؛ حيث تاهت مضطربة بين التمسك بالأصول الثقافية الخاصة بهذه المجتمعات القائمة علي العادات والتقاليد والقيم وبين الحداثة والتقليد والإفراط في تداول وتقليد الثقافة الغربية بكل مظاهرها وتأثيراتها، ومن مظاهر تأثير العولمة الثقافية علي المجتمعات النائية هو التأثير السلبي علي الأسرة ودورها كقيمة اجتماعية مؤثرة في بنيان الفرد والمجتمع، فلم تعد الأسرة هي مصدر التأثير الثقافي المتميز المؤثر في سلوك أفرادها، ولكن ظهرت العولمة الثقافية لتمد أفراد الأسرة وخاصة الأطفال بالصناعات الثقافية التي تحتوي على مواد ثقافية غربية تهدم الثقافة الخاصة بتلك المجتمعات.
لقد استعادت العولمة روح الاستعمار القديمة، ولكن في شكل حضاري تقدمي، فكما كان الاستعمار يسلب اللغة والدين والقيم والثوابت من أصحابها، فكذلك تؤثر العولمة الثقافية في المجتمعات بشكل سلبي ولكن بلا استعمار أو قوى خشنة.
وأسوق هنا العديد من المقترحات لمواجهة الغزو الفكري والثقافي في طوره الجديد ومنها :
1-على المجتمعات أن تكرس اهتماماتها بتلك القضية الكبرى والتي لها تأثيراتها على العالم بأسره، وذلك الاهتمام لا يجب أن يتوقف على مجرد الدراسة وتحديد النظريات ووضع الخطط والاستراتيجيات، ولكن يجب أن يتعدى ذلك لمرحلة التطبيق الفعلي والعمل على إزالة جميع التحديات والمؤثرات السلبية للعولمة.
2- الإعداد الجيد للتخلص من الغزو الثقافي من خلال وضع مناهج تعليمية ومواد إعلامية تصل إلى كل فئات المجتمع، وألا يقتصر الأمر على الشعارات فقط، فلا بد أن تحتوي المناهج الدراسية على نسبة جيدة من ثقافات وأفكار وأخلاقيات وثوابت المجتمعات.
3-كما أن الإعلام يجب عليه إيجاد مساحة أكبر لتناول هذا الأمر ومحاولة تأصيله في الثقافة المجتمعية، فبدون وجود هذه التوجهات الإعلامية لن تستطيع هذه المجتمعات التخلص من الغزو الفكري الغربي.
4-ضرورة القضاء على البطالة، حيث تمثل البطالة بيئة خصبة لهذا الغزو الثقافي، وتربة جيدة لنمو الفكر المتطرف؛ لأن العاطلين مهيئون فكريّا لقبول أي منظور ثقافي يفرض عليهم، بصرف النظر عن مصدره ومحتواه.
5-تمكين استخدام اللغة الأم لهذه المجتمعات بصورة تحد من استخدام اللغات الأخرى والتي تؤثر ثقافيًا في المسار الثقافي والفكري، وعند تمكين اللغات الأم في هذه المجتمعات فإن ذلك سيكون بمثابة منع أهم أدوات التأثير وهي اللغة التي تستند عليها الدول الغربية في غزوها ونشر ثقافاتها.
6-ضرورة وقف الاختراق الاقتصادي والتبعية الاقتصادية لأنها المدخل لهذا الغزو الثقافي، لأن الدول القوية اقتصاديًا تفرض سيطرتها على العالم.
7-إنشاء مراكز دراسات وأبحاث متعددة تعمل على إنتاج مواد ثقافية عن حضارات الأمم والمجتمعات وخصائصها ومميزاتها، وتعمل في ذات الوقت على كشف زيف الإدعاءات الخاصة بالثقافة الأجنبية وتعمل على فضح خفايا ومفاسد المجتمعات الغربية ورغبتها في التأثير السلبي على هذه المجتمعات.
إن مشكلة العولمة هي مشكلة كبيرة ومعقدة، ومن وجهة نظري أرى أن لكل شيء سلبياته وايجابياته، ولكن على المجتمعات أن تكرس اهتماماتها بتلك القضية الكبرى والتي لها تأثيراتها على العالم بأسره، وذلك الاهتمام لا يجب أن يتوقف على مجرد الدراسة وتحديد النظريات ووضع الخطط والاستراتيجيات، ولكن يجب أن يتعدى ذلك لمرحلة التطبيق الفعلي والعمل على إزالة جميع التحديات والمؤثرات السلبية للعولمة؛ وذلك لأن العالم يعيش الآن مرحلة حرجة من الاضطرابات السياسية والاقتصادية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة والجهل والأمية، وتدهور الخدمات الصحية والاجتماعية في الكثير من بلدان العالم النامي.
إن العولمة الثقافية نظام مدروس مدسوس يعمد إلى افراغ الهوية الجماعية من كل محتوى ويدفعها إلى التشتت والتفتت ويربط أفراد المجتمع بجملة مفاهيم واهية باطلة تتعلق باللاوطن واللاأمة واللادولة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.