ذكرى الكشباطي( تونس ) تكتب غزل الأوهام


غزل الأوهام
تحت وقع حفيف أشجار الخريف المتراصّفة على جانبي الطّريق، كانت الأوراق تعزف سيمفونيّة قلبها وتسكب خشخشتها حين ارتطامها بالإسفلت في روحها، كؤوس الضّياع والسّفر في فيافي العدم.
كانت روحها_ في هذا المساء المغبرا السواد سماؤه كحال جلبابها الفضفاض الذّي يخفي ضيق صدرها_ مهيضة الجناح، تَهَمَ الحرّ أنفاسها وجرّها إلى الاختناق.

تحمل كتبه وأشعاره بين كفّيها، وتسير بنظرات فارغة، تحدّقّ في الأفق الذّي لاح لها فيه صورتهما وهو يلقي على مسامعها جميل أشعاره كأنّها “ليلى العامريّة” في زمانها وهي التّي ظنّته “قيسها” حينا و “عمرها الخطّاب” الذّي يأمّ بها في كلّ صلاتها حينا آخر، إذ رأت في هيئته ما ترنو لها روحها من لحية طويلة ترى فيها سرّ وسامة الرّجل تصديقا لما قالته أمّ المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها «سبحان من زيّن وجوه الرّجال باللحي» وناصية لاتخلو من أثر السّجود والصّلاة فتسلْقت ليالك الأماني جدران قلبها حتّى عادت ترى في نظراته التّي يقذف بها إليها من حين إلى آخر شمعا أحمرَ وإمضاءة ختاميّة على ظنونها فصدّقتها وراحت تغزل من أحلامها حدائق الورد و الرّياحين.

تدخل الحرم الجامعي مع صديقتها التّي لاتعرف صديقة سواها، بالرّغم أنّه لو رآهما أحد، ما حسب أبدا أنّ بينهما أيّ علاقة إذ لا شبه في هيئتهما ينمّ على ذلك، الأولى محجبّة والثّانية سافرة غير أنّها قطّ ما كانت تعاملها بمظهرها بل كانت موقنة أنّ روحها مرآة لروحها وانعكاس لها لذلك لم تكن تخفي عنها مقدار قطمير من أسرارها فحكت لها عنه الكثير; أستاذ العربيّة الذّي يدرّسهما والذّي تعلّق به فؤادها وحفر اسمه في تلافيف قلبها نقشا فرعونيّا لا تمحيه رياح السّنون فلم تعد ترى غيره من الرّجال وكأنّ اللّه طوى الأرض على كلّ رجال العالم ولم يبق عليها إلاّه.

كانت صديقتها تنصحها كلّ مرّة أن تُنزل سقف أمانيها طالما لم لم يبح لها برغبته في وصلها وأن تخفي إبر غزلها إلى حين مجاهرته لها بحبّه.

ظلّت تترقّب دنوّه منها إلى حين آخر حصّة لهما في السّنة الدّراسيّة حين همّت بمغادرة القاعة فناداها بالاسم أن تنتظره، اشتعلت، فجأة، حنايا صدرها موسيقى وغردّت البلابل أجمل ألحانها، توهّجت عيناها ببريق من ألوان قوس قزح، متلألئ ذو رائحة عبقة لا يعرف ندرته سوى أنوف العاشقين وتضرجّ وجهها حياءً وحمرة.

رأته يتقدّم نحوها، “طارقا ابن زياد” ، تهتزّ الأرض من تحت أقدامه شموخا و عزّة، يفتتح أندلسها وينهي معارك الانتظار داخلها ويرشّ الزّهر و السّلام في ساحاتها ومدنها.

أرهفت سمعها لما سيغرّد به لسانه وانتظرته بجمر الشّوق والولع ليخبرها أنّه راغبٌ في صديقتها وبأنّه يثق بها حتّى تقنعها، أكمل كلامه وما كان يدري أنه رشّ، على قلبها، بهارات الهند كلّها ، فتسرّبت النّيران في أوردتها وتصاعدت حمم البركان داخلها تسامق عقلها وتربك إدراكها وقذف بيارقه على قلبها فأخذ بعضها يضرب بأتون بعض ، تعرّقت يداها وبخواء وفاض المحكوم عليه إعداما، طأطأت رأسها موافقة.
تشكّرها ومضى لشأنه بعد أن جلد روحها وقصم ظهرها.

لم تمرّ سوى بضعة أيّام حتّى جافتها صديقتها بعد أن أعلمتها بالخبر بدموعٍ حارقة ملتهبة تدكّ قلبها دكّا لتسدل السّتار عن الحكاية وتنهي آخر فصولها، بصور خطوبتها على أستاذها بعد أن نشرتها على صفحتها الفايسبوكيّة دون علم منها، فوهبتها أمواج الخيبة أوجاعا وآلاما عوض الصّاع صاعين،
في الوقت الذّي ظنّت نفسها أنّها “أندلس” شامخة بهيبتها راعها أنّها كانت مجرّد جسر عبور، “مضيق طارق” عبرها لينال غايته.
وفي الحين الذّي يموت النّاس فيه بسكتة قلبيّة، مات قلبها المذبوح بسكتة عشقيّة.
#ذكرى الكشباطي

1 Comment

  1. جميلة جدا كعهدك يا ذكرى الكشباطي في سردك ولغتك الجزلة التي لا تعرف الإسفاف وتشبيهاتك التي تنم عن شاعرة لها وجدان عربي اصيل أهنئك بشدة واتمنى قريبا ان اقتني ديوان شعر أو مجموعة قصصية تحمل إسمك لاقبل على قراءتها مرارا بشغف أختك أميرة حسني من القاهرة

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.