محمد جراحي يكتب مراجعة عن أوراق الحب الأخيرة للكاتبة نهاد كراره


قرأت لك كتاب ( أوراق الحب الأخيرة)

 

كتاب أوراق الحب الأخيرة، بقلم السيدة الأديبة الرائعة الراقية نهاد كراره. أديبة لا شك في ذلك و لكنها بـلغتها الرائعة و مشاعرها الراقية التي تسكن السطور قد زادت عن الاخرين و تميزت.

أظلم الكتاب و أظلم القارئ إن قلت أنه مجموعة من الرسائل المتنوعه و إن كان هذا واقعه، لكن بعد أن قرأت الرسائل أدركت أني فتحت صندوقـا من خشب الورد المصقول و المرصع بزخارف أدبية من ذهب صاف لامع و إن كان هذا هو الصندوق ، فأي كنز يحوي !
أنا لا أحب المراجعات التقليدية للأعمال خاصة إن كانت أدبية تخاطب الوجدان، لا أحب أبدا أن يفتتح الناقد مقاله بالتعريف باسم الكتاب و مؤلفه و أنه ينتظم في تسع و ثمانين صفحة من الغلاف إلي الغلاف و يحتوي علي ثلاث و خمسين رسالة مرقمة و لكل منها عنوانه المنفصل. لا .. ليس هكذا أفعل مع أدب، كتب من القلب بأقلام من شجن صاف.
أري في الكتاب مشاعر إنسانية قلما رأيتها تترجم إلي كلمات مثلما فعلت أديبتنا الراقية. تراها تحزن و تبكي، تعاني الخذلان و الغربة و الاغتراب، ترثي حالها و ترثي من فارقوها، تكتئب و تغلق أبواب الروح ثم تعود لتطل من نوافذ المحبة آملة أن تجد في العلم من يفهمها و يحتويها فتعود بالوحدة و الخذلان مرة أخري. و مع كل هذه المشاعر و الانفعالات لن تجد لفظا قاسيا أو مزعجا للأذن و العقل و لا للروح.
تراها في أول رسالة و منذ البداية تقف أمام القارئ شخصية مستقله و قويه و لذلك تشقي منذ مولدها لتثبت تميزها، خاصة أنها أنثي طموحه في مجتمع ذكوري بامتياز يصبح فيه حق التميز و اثبات الذات أصعب مما يتخيل البعض أو يعتقد أنه شئ بديهي و مكفول للجميع. هي إذن لا تكره يوم ميلادها كما تقول لكونه زيادة في العمر أكثر من كونه زيادة في الحزن. فهي مع كل ذكري ميلاد و كلما ازدادت السنوات ، ازدادت الأحزان، فتلجأ لحيلة نفسية و هي الانكار، فتراها تبتسم بمهارة مثل السعداء حتي تهرب من السؤال – الذي يبدو من خارجه مراع للمشاعر و لكنه من باطنه نبع متجدد لكل حزن – ” ما بــك ؟ ” فهي تواجه الحزن بـإنكار الحزن فتزداد حـزنا .. فــــلكي اللـه يا نــون !
ثم تراها في بعض من رسائلها ترثي أرواحا فارقت و ترثي كذلك نفسها بأسلوب بديع و جلد للذات بشكل راق و هكذا نودع الارواح المفارقه. بل هكذا أحب شخصيا أن يتذكرني من يحيا بعدي و لكن من أين لي قلب كقلب أديبتنا ليرثيني! و لأنتظره علي الجانب الاخر محملا بكل دموعه التي بكاها لأجلي و بكل كلماته التي كتبها لي و بكل الايات و الادعية الني أهداها لروحي و معي وردة من الجنة و حلة من استبرق و تاج من لؤلؤ و كأس من نهر السعادة أهديه إياهم رغم أنف العالم الذي فرق شملنا فهناك نحيا الحب بلا افتراق و إلي الابد.
لا أحب أن أطيل في وصف مشاعري كمستقبل لموضوعات الكتاب و محتواه و لكنها نجحت جدا في جعل القارئ قارئا و مستقبلا ، مرسل و مرسل إليه في نفس الوقت، فينفعل لها و معها حين تحزن و حين تكتئب و حين تشعر بالغيره و يتخيل أيضا إن كانت كل هذه الرسائل موجهه له و تنتظر الرد. كيف بالله لأحدأن يجد ردا لمثل هذا الزخم الشعوري أو أن يجد ألفاظا و صورا و تراكيب تكافئ هذا الزحام من الفن و الادب! فأنت حين تقرأ تسمع موسيقي خفيه في الجمل و تقطيعها و مقاطع الرساله الواحدة كأنك تلقي قصيدة شعرية ، كأنها كتبت رسائلها علي بحر من بحور الشعر !
ابتسمت من طريقة تعاطيها مع الحب .. إعطاءه و أخذه, و بالرغم من ضيقها بمعتقدات المجتمع و ممارساته و تضييقه علي الناس جملة ، إلا أنها تمارس بعض تلك العادات و الاعراف. فهي لن تصرح و لن تبدي أو تبدأ بالحب حتي و إن كانت غارقة فيه, و ذلك لأنها أنثي. و مع كون ذلك عرف اجتماعي إلا أنه فطرة سوية لدي كل أنثي.. تقول ” لا أحبك إلي أن تقولها أنت.”
ثم في كل كرة أخري من فرها و كرها في حرب الحب المقدسة ، تضع الكبرياء فوق الحب فتكره و تصرخ و تحذر أن يضع الحبيب حبيبه في مربع القلق و الخوف و الحيرة خاصة أن قلب أديبتنا يعطي زهرا و طمأنينه و أمان كأنها تعطي درسا عمليا للمحبوب أن أفعل ما أفعله و لا تخترع. و لكن فما جزاؤه من عاندها و تكبر , جزاؤه القطع بعد الوصال و الصد بعد الاشتياق و الصمت بعد الوداد. ثم تعود لسيكولوجية النساء و فطرتهن تارة أخري , يتلفظن في الحب عكس ما يبطن في قلوبهن و ليس ذلك عيبا فيهن بل العيب فيمن أحبهن بتصوره أنهن قابلات للتغيير فقد ظلم نفسه و خسر حبه و ما غير منهن شيئا، فتقول : ” ليتك تعي أنني حين أقول سأرحل إلي الأبد ، لا أعني في الحقيقة إلا أن تمسك بي و لا تفلت يدي و ابق معي دوما.”
و هكذا تعالج الاديبة الرائعة كل زوايا الحب من نظرة الانثي الشرقيه و المرأه القوية و العقل الراجح ، واضعة كل الجوانب أمام القارئ . فالحب ليس كأسا صافيا من لبن لا يشوبه عكارة. إنما الحب كأس يحمل داخله إباء و كرامة ، حزن و خذلان ، أمان و وحدة و ضياع ، انكسار و عودة و تسامح ، تغافل و غفران ، بعد و نقمة .. فإن وصلت إلي طعم الكراهية , انكسر الكأس . حتي لما انكسر كأس أديبتنا لم نجد إلا رثاء رقيق هادئ و كبرياء في الفراق يزين لحظة الوداع .
في كل عمل اقرأه اعتدت ان ابحث عن نفسي .. فهناك بعض الرسائل الخاصة بالنسبة لي إن سمحت لنا أديبتنا بالحديث عنها بشكل خاص : ( إلي الذي ينبت اسمي من بين شفتيه زهرا) الرسالة السابعه و الثلاثون . هذه رسالتي المفضله، لؤلؤتي المكنونه في صندوق مجوهرات الكاتبة. إن كنت أحب لما قلت و ما كتبت إلا هذه الرساله و كفي، فالحب فيها مطابق لما أحمله في قلبي تماما. الحب فيها معلق بين أمل و رجاء ، بين أخذ و عطاء و يحمل و بنفس اللحظة في جوفه الخوف.. الخوف من أن يكتمل . فهل بعد التمام إلا النقصان !
و هناك أيضا اختلاف بسيط أريد أن أنوه له مع كاتبتنا الراقية حول فكرة معينة قد يكون اختلافنا فيها راجع لتفسيرها ، لا لوجودها من عدمه. و هي فكرة ( أننا علي الارض في منفي ادم و عقابه ) أقول أننا لسنا هنا بسبب عقاب ينفذه ادم . خلق الله ادم منذ البدء ليكون علي الارض لا في الجنة. فمسألة هبوط ادم بسبب خطأ منه فكرته مغلوطة في اذهان البعض . فنزوله الي الارض كان شئ طبيعي و منتظر وانما تسلسل حدوثه بعد ما فعل من نسيان و ذلل و وسوسة شيطانيه ثم علمه الله ان يتوب ثم انتهت فترة الحضانه فكان لابد ان يباشر ادم مهمته علي الارض.
ثانيا : ( رساله إلي الله ) الرسالة الخمسون .. مازال اختلافنا قائم علي هذا السؤال المتكرر .. سواء بالتصريح أو التلميح : ” هل خلقنا الله ليشقينا و ليعذبنا ! ” لا أعلم ان كان اسلوب بلاغي لابراز مدي الوحدة و الخذلان التي يتعرض لها القلب فيقول ذلك أم أنه سؤال تدفعه أمواج العواطف الجامحه في النفس الانسانيه. فالانسان ينسي كل شئ من لدن ادم .. “فعهدنا الي ادم فنسي و لم نجد له عزما” حتي أن الانسان ينسي لماذا خلقه الله ! فما خلقنا الله ليعذبنا و يشقينا و الاجابه قاطعه واضحه في كتاب الله و لكن الانسان ابن نسيان.
في الختام رسمت أديبتنا لنا شخصيتها من خلال الرسائل ، فهي الحرة التي لا تحب القيود حتي لو كان القيد قيد الحب الذي ظلت تبحث عنه في كل سطور الكتاب. و لها شخصية قوية تغلب الحسابات و المنطق علي الشعور الجارف و لكنها ليست بهذه البساطه التي تظهرها ، فهي تحب التحكم في كل شئ أو تتمني ذلك و تحب التحدث عن مآل كل شئ بتفاصيله الممله مهما بدت للبعض تفاصيل تافهه. مثل هذه الشخصية لا تعرف للراحة التي تحلم بها طعما و لا تري لها سبيلا. فقوة الشخصية لهذة الدرجة تجعل من صاحبها وحيدا، لا يري له مكافئ إلا من كان مثله في ذلك و بشرط اضافي .. أن يزيد عليها بالحلم و الاحتواء .
#Garrahi

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.