في ذكرى وفاة أديب نوبل يكتب أحمد محمد قشوة


 

٣٠ أغسطس
اليوم ذكرى وفاة أديب نوبل صاحب “الحرافيش” عمنا نجيب محفوظ❤
أهدي لروحه تلك القصة، من وحي روايته “أولاد حارتنا”.

إهداء
إلى رب الرواية المصرية .. لطالما حلمت بحارة تشرق عليها شمس العدل مبددة سواد الظلم الموحش .. إليك يا سيدي أهديك فصلا من حكاية حارتنا التي انتمي لها كما انتميت لها سابقا قبل رحيلك عن دنيانا .. إليك يا سيدي أبجل اسمك بإهدائك بعض الكلمات المنثورة علّها توقظ أهالي الحارة مرة أخرى بعد سبات دام سنينا منذ رحيلك ..
إلى سيدي الأستاذ نجيب محفوظ رحمه الله ..

أحمد محمد مغاوري قشوة


ماذا حل بحارتنا ؟
ليس اليوم كالأمس ولا الأمس كأول الأمس !
كان التجار بالسوق يتحدثون فيما بينهم عما حدث بحارة الجبلاوي منذ أيام في عجب ودهشة ، فقال أحدهم :
– الفتوة بياضة مساعد الفتوى عيسوي قد انقلب على أستاذه بعد أن اشتد ساعده وقويت نفوذه بين الناس في الحارة .
وقال آخر :
– بئس ما فعل بياضة ! أبعد أن أواه عيسوي وعلّمه الفتونة انقلب عليه ناكرا للجميل ؟!
– ولكن أهل الحارة يتغنون بما فعل بياضة تلك الأيام ، وإذا دلفت القهوة لاستمعت لأناشيد الشاعر بالربابة يتغنى باسم بياضة والناس تهلل لحكايته أنه خلصهم من الفقر الذي كاد عيسوي أن يُحله عليهم .
فقال ثالث وهو يتأفف :
– بيني وبينكم يا رجال . لقد أرغمني بياضة على تزويد سعر الفول في المحل .
– ولم وافقت على هذا ؟
– لم يكن بيدي أي خيار مثلي ككثير من الدكاكين ، فبياضة نبوته قوي ، ولقد رافقه شباب يحلمون بالفتونة في مسعاه ، فكلما وجد شاب بعض القوة في عضلاته أراد الالتحاق بركب الفتونة .
– بعد أن كان الشاعر يتغنى بقصص أدهم وجبل ورفاعة وقاسم وعرفة أصبح ينشد ويطرب قصة بياضة ! حقا قد تدهورت حال حارتنا ! سنعيش أياما سوداء قادمة !


وهكذا تتابعت الأيام في حارتنا في ظل حكم الفتوة بياضة الذي ترأس مركز النظارة بعد أن أطاح بعيسوي بضربة بنبوته أهلكته ، وتربعت نوارة هانم زوجته عرش الملكة ، وأخذت تتزين بالحلي ما شاءت ووسعت ، وبياضة يقوم بملئ المخازن بالفول والقمح ما استطاع تاركا القليل لأهل الحارة في الدكاكين ، ولكنهم رغم هذا لم يشتكوا القلة ، وظلت الأناشيد تعزفها الربابة في القهوة حيث مجلس الرجال يشربون الشيشة ويسمعونها في سطل ويرددونها إذا ما سكت الشاعر عن اللغو .


وفي ذات ليلة قمرية في منتصف الشهر قرب صخرة هند كان سعفان عائدا من عمله حمالا في السوق بالجمالية بعد أيام شاقة . وأخذ يعد الثواني للقاء زوجته رئيفة وولده حمزة ذو الأربعة عشر عاما ، وإذا به منشغل في التفكير فيهما إذ سمع صراخ أنثى ، فتوجه نحو الصخرة ليجد شابا فتيا يحاول اغتصاب فتاة مسكينة تصرخ :
– النجدة ! أنقذوني !
فهرع من فوره إلى طوبة في الأرض تلقفها ، وجرى على الشاب يحذره بصوت عال :
– دعها وإلا صرعتك يا نذل !
فتركها الشاب ، وهجم على سعفان كاشرا عن أنيابه بغضب وقسوة بينما جرت الفتاة بعيدا لتغيب في الظلام ، وتعارك الاثنان ، فضرب الشاب سعفان ضرب مبرحا ، فما كان من سعفان سوى ضربه بالطوبة على رأسه فشجها ، فانحسر الفتى للخلف وهو يمس رأسه يتوجع ، وهرب فجأة وسط الظلام !


وفي اليوم التالي وجدت رئيفة من يقتحم عليها البيت . إنه الفتوة نخلة مساعد بياضة قد أمسك نبوته وظهر على وجهه الغضب الشديد ، وصرخ بحدة وهو يضرب بنبوته على المنضدة القريبة منه أمام حمزة ورئيفة المذعورين :
– أين ابن الزانية ؟!
فسألته رئيفة :
– من تريد ؟
– أين زوجك يا امرأة ؟!
خرج سعفان مهرولا من الغرفة ، وسأل مستنكرا :
– ماذا هناك ؟!
اتجه نخلة نحوه وشده من ياقته بعنف نحو الخارج قائلا :
– تعال يا مجرم ! قد شججت رأس جبر بن فتوتنا وناظر حارتنا .
وصرخت رئيفة ، وبكى حمزة خوفا ، وسعفان يهتف :
– كان يغتصب الفتاة ! كان يغتصب الفتاة !
ونخلة يصفعه طول الطريق أمام الناس صارخا فيه :
– إخرس يا مجرم !


وألقوا سعفان في غرفة مغلقة في بيت بياضة ، وارتبكت الحارة لذلك الحادث ، ورئيفة تدور على الدور تقول لهم :
– يحاسبون زوجي على خطأ ابنهم . إن سكتتم فستكونون الضحايا غدا .
وأخذ الناس يتحدثون فيما بينهم ، وعن أن سعفان ما كان ليفعل ذلك إلا لسبب وجيه لما عرفوه عنه من الحكمة ، ونُقلت الأخبار إلى بياضة ، ورأت نوارة هانم بأن الموقف لا يمكن السكوت عليه ، وأن سعفان يجب أن يؤدب لما فعله مع ابنها ، وأشار نخلة على بياضة بأن يدع سعفان حتى لا تثور نفوس الناس خاصة مع قلة الأطعمة التي يعانون منها وارتفاع الأسعار .
وتم اجتماع الناس في الحارة عند بيت بياضة ليروا نهاية لحبس سعفان ، فخرج لهم بياضة ونوارة هانم ونخلة ، وقال لهم بياضة :
– فيم اجتماعكم ؟
فظهرت رئيفة بين الناس تقول بحدة :
– أنت تحتجز زوجي بلا حق !
فقال بياضة :
– ولكنه قد اعتدى على جبر ولدي !
فقال رجل :
– ما كان ليعتدي عليه يا حضرة الناظر إلا لسبب وجيه . فيعفان معروف بالحكمة لا التخلف .
فسألهم بياضة :
– وما السبب ؟
سكت الرجال ها هنا ، فقال رئيفة لهم بصرامة :
– ما لكم قد خرستم ؟! تخافون نبوته ؟! المفترض أن نبوته لحمايتنا لا لإرهابنا .
فقالت نوارة هانم بحدة :
– خسئتِ يا امرأة ! أنتِ قد ضربكِ مس من الجنون !
– بل كاد ابنك أن يغتصب فتاة في الصحراء فدافع عنها زوجي .. ابنك النذل .
صاح بياضة بقوة :
– اخرسوا جميعا !
حلّ الصمت على الجميع ، فأشار بياضة لنخلة :
– هات سعفان .
فدلف نخلة للبيت ليجلب سعفان التي تدهورت حاله ليمثل أمام بياضة ورئيفة تناديه في أمل أن يتركه الزبانية ، وأشار بياضة بعدها لنوارة ، فنادت على جاريتها السوداء ، فجاءت الجارية مع الفتاة التي حاول جبر اغتصابها ، وسرت همهمات بين الناس ، وضرب بياضة الأرض بنبوته ، فسكتت الهمهمات تماما ، وسأل الفتاة :
– من اغتصبك ؟
فنظرت لسعفان وقالت :
– هذا الرجل .
وهنا تضاربت الأحاديث بين الناس ، ورئيفة تصرخ :
– كذب ! زوجي لا يفعل هكذا فعل !
وسعفان يصيح :
– كذب وافتراء ! لقد أنقذتها !
بكت الفتاة وهمست له :
– سامحني أرجوك .
وصاح بياضة ها هنا :
– مجرم ويجب أن يعاقب ، عقاب لاغتصاب فتاة ولضرب شاب بريء . حكمت عليك بالموت .
وتعالت صرخات رئيفة أمام نبوت بياضة الذي تهاوى على رأس سعفان ليصرعه أرضا ليموت .


قالت نوارة لبياضة :
– لم نتفق على إعدامه ! لماذا فعلت هذا ؟
فقال بياضة :
– يجب أن أعيد الموف في قلوب الناس .. أنا من سأحكمهم للأبد ولن يجرؤ أحد على الاعتراض على أي شيء مرة أخرى .
فسألته باستنكار :
– وكيف تحكمهم للأبد ؟! كل كائن زائل !
فصاح بعنف :
– إلا أنا يا نوارة !.. سأعيش للأبد ! أعرف كيف أحكمهم بنبوتي . تكفيني القوة لأعيش خالدا .
وتركته لاعتقاداته ، وذهبت للنوم كأن لم يحدث شيئا .


ومُنع العزاء في بيت سعفان من قبل بياضة ونخلة ، فلم يذهب أحد من أهل الحارة نحو البيت ، وجاء صقر أخو سعفان من الجمالية ليشاركهم الحزن على الفقيد ، وقالت له رئيفة بعبرات تسح من عينيها سحا :
– الظلم في حارتنا يتمثل في الفتوة ولا أحد يستطيع التفوه بالمعارضة !
فقال صقر :
– الناس يخافون من هو أقوى منهم .
– ولكن حق سعفان قد ضاع هكذا !
– لا لن يضيع .
ونظر لحمزة الذي يبكي ، فعنفه قائلا :
– لا تبك يا حمزة .. سيرجع حق والدك .. من الغد ستصحبني للجمالية بدلا من والدك تعمل معي .
ونظر لرئيفة قائلا :
– لا تقلقي يا أم حمزة ..


ومرت الأيام وراء الأيام ، وحارتنا لا يستحيل حالها ، وبدأ بياضة أعمالا مشبوهة كالإتجار في السلاح والحشيش ، وخافه الناس أكثر من ذي قبل ، وفي الجمالية أمضى حمزة شهرا مع عمه صقر ، وقد أرسله عمه لصديق له يعلمه استخدام النبوت والجندرة والمسدس ، وعاد حمزة إجازة قصيرة لأمه رئيفة في الحارة ، ولكن حمزة الذي عاد ليس حمزة الذي قد ذهب منذ شهر .


كان بياضة يُحب أن يختلي بنفسه في حديقة البيت الكبير مساء حيث كان أدهم يحب أن يعزف بالناي ويتأمل ، وكان يفكر في أمر أرقه لليال ، فقال لنفسه :
– ولكن كيف السبيل للبقاء ؟ أعلم أنني سأموت ! ولكن ذكري سيظل خالدا على ألسنة الناس ، وماذا عمّا أملكه؟ أيستفيد به غيري ؟ كلا .. لن اترك شيئا بعدي .. سأحرق البيت الكبير كله إذا ما شعرت بقرب النهاية .
وبينما قد أعطى وجهه للبيت الكبير لم يشعر بحمزة خلفه قد وجّه المسدس نحوه مناديا :
– بياضة !
التفت له بياضة بسرعة ، ولكن حمزة كان أسرع حين قال :
– خذ !
وانطلقت الرصاصة تخترق جسد بياضة الذي سقط أرضا أمام حمزة ، وأخذ يتحمل فوق طاقته أن يموت ، وأخذ ينبش في الأرض بقوة يريد أن يصل لحمزة ويقتله ، وأخذ يصيح :
– كيف لنهايتي أن تكون على يد طفل ؟! أنا لا أموت هكذا !
ولكن الروح قد صعدت لربها ها هنا ، وجرى حمزة قافزا من فوق سور البيت الكبير ، وذاب في الحارة كأن لم يكن .


وتناقل الناس ما حدث لبياضة ، وقالوا أنها روح سعفان قد حضرت وأردته ، وقالت جارية بالبيت الكبير أنها قد رأت طفلا يضرب بياضة بالمسدس ، وفرح الناس لموته ، وبعد أيام تجمعوا في قهوتهم يتشاورون في الفتوة الجديد من يكون؟

تمت بحمد الله
أحمد م م قشوة
٢٠١٩م

#نجيبمحفوظ
#أسبوع
أديبنوبل
#ورقة
منتاريخحارتنا
#ميغو

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.