نورالهدى كنج تكتب رحم الذاكرة


و الحقيقة أنّ الماضي لا يُحفَر في ذاكرتنا فقط بل إنّ ملامِحه تُنحَتُ بدقّة على هيكل الأماكن الّتي خضنا فيها غمار الذكريات…و لعلّ أكثر شعورٍ مرير تخلّفه الأيّام في حلقِك هو أن تجِد نفسك تجرّ أقدامك لا واعياً نحو المكان الّذي هجرته منذ زمن بعيد ،نحو رحِمِ الذكريات القديمة و تتلمّس في أحجارها ملامح ماضيك كأنّك ضرير يبحث عن النّور الأقل عتمة من كلّ هذه العتمة المحيطة به ! فالمنازل القديمة حقيقة ما هي إلَا صندوق خشبي تركت فيه مجموعة صور متحرّكة ،محسوسة لا مرئية و تركته على رفٍّ خشبي مُعتّق ثمّ إذما إشتدّ حنينك للماضي فتحت بابه تستجدي رائحة الماضي لعلَك تروي شحّ روحك و ظمأها….
الفناء الأمامي ،تلك الشجرة العجوز الّتي رويتها بدموعِك منذ تعثّرك الأول أمامها مروراً بوقوعك عن دراجتك ،و الحقيقة أنّك حينها كان يجب أن تعلم أنّ السقوط حقيقة حتميّة ملازمة للوقوف ملتصقة به وصولاً إلى فقدِكَ الأول و لهيب الشوق المضرم داخلك مذّاك ،و أغصانها الّتي تكاد تلامِسُ الغيوم ،ألم تكن تقتات على فتات الأمل الّذي تعقده بمنديل حولها ؟! لِمَ صعدت وحدها نحو زرقة السّماء و تركتك وحدك هاهنا تلامس العشب بقدمين حافيتين ؟!
المقعد القديم الصامد رغم عواصِف الحياة أمام بابِك ،يحرسه كأبٍ ينتظِر عودة إبنه الضّال من الدّرب البعيد ليرتمي بين جفونه ،كم قطَة جالست عليه ؟! و كم كتاباً إلتهمت أوراقه و ارتشفت حبر الأدب منه بين أضلعه ؟! ألا يُعَدُّ هجرك له كلّ تلك السنوات نوعاً من عقوق ؟! ألم يكن أجدر بك أن تكون ابناً بارّاً لصديقنا القديم ؟! أيّ ناكرٍ للذكريات أنت ؟!
تضع المفتاح الصّدِئ في الجوف الممتلئ من الباب الحديدي و تُديره بخفّة و يد مرتعشة و كأنّك تفكك قنبلة موقوتة ستنفجر في أيّة لحظة ،و قلبك ؟! قلبك الّذي تعفّن في الداخل ! ألم يكن هو الآخر بحاجة لمن يحتويه ؟! تنفض غبار الأفكار المتراكم في عقلك الذي لا يعرف كيف يصمت ! الجدران ،الشاهد الوحيد على كلّ ضحكاتِك و ابتسامتك و انكساراتك و عجزك و وقوعك و انتهيارك و غضبك و ترميمك لذاتك بعد كلّ هذا ،خلّفت مشاعرك المضطربة عليه صدوعاً و تشققاتٍ كتجاعيدٍ عميقة على وجه عجوز و كفّيها مرّ الزمن عليها ثقيلاً كأنّه قطار حديدي ضخم ! المرآة الجداريّة التّي علقتها والدتك على الجدار لتراك فيها تكبر رويداً رويداً بقيت أنت عالقٌ فيها على هيئة طِفلٍ صغير يحمل حقيبته عُنوة و ينقاد قسراً نحو المدرسة ! يُزعِجُكَ المشهد فتلتفت بسرعة نحو الغرفة التالية!
غرفة نومِك ،محطّتك الأخيرة و الأدَق ! تمسِك المقبظ و تسمع صوت المذياع القديم يردد مقولة (درويش) : “إبكِ وحدَك” ليجيبك صوت من داخلك :ما استطعت ! أقسم أنني ما استطعت !
تزداد نبضات قلبِك ،تدخل بقدمين ترتجفين ،تجول بنظرِك سريعاً ،تتأمل كلّ شيء بسرعة و بُطء متجانسين ،تشعر بالأشواك تغرس في حلقِك ،الفَقد ،رائحة الوساد العفِنة من فرط ما شرِبت من دُموعِك ، المكتَبُ الذي كان شاهِداً على كلّ هزائمك موثّقة و غبار الحنين المتكدّس فوقه ،يضيق صدرُك بالعالم؛تشعر بدرويش يضع يديه على كتِفك و يهمِس :”ابكِ وحدك” فتجيب ثانية :ما استطعت ! و تفرّ هارباً دون أن تغلِق الباب خلفك و تطلِق للذكريات الحبيسة حرّيتها ،ستلاحقُك ما استطاعت و لن يُنقِذك الفرار بعد الآن و صدّقني ستبكي وحدك ما استطعت !

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.