نور أحمدعبدالمجيد تكتب النداهة


أستيقظ الساعة الثانية صباحًا، أعود وقت الظهيرة، أنام بعد صلاة العشاء، أستيقظ الساعة الثانية صباحًا، أعود وقت الظهيرة، أنام بعد صلاة العشاء.. وإلخ.. إلخ..

هذه حياة مواطن مزارع بسيط مثلي، أستيقظ في الساعة الثانية صباحًا، أجهز أدوات الزراعة، أصلي ركعتين لله ثم أصلي الفجر وأنطلق إلى عملي، أستخدم مشط الأرض والتي تُعرف بمدمة لأنظف الأرض من الشوائب والأعشاب الضارة، أجرف التراب، أدس الحبوب داخل فجوة صغيرة صنعتها بمجرفتي، أمسك إبريق الري ثم أروي بمقدار معين أحدده بعيني، من مميزات كوني مزارع هي قدرتي على معرفة وزن ومقدار الأشياء حين أمسكها وأحيانًا فور أن أراها.. أجلس مع أحد المزارعين ونتحدث ونحن نشرب الشاي عن أسعار الخيار، الذرة، الباذنجان وهكذا..
أعود وقت الظهيرة، أجلس مع أولادي في منزلي الصغير والقديم أمازحهم، زوجتي تعد الطعام، نتناول الغداء، أصلي العصر، ثم أجلس مع زوجتي وأسمع حديثها المستمر عن زوجة أخي وتقصّ عليّ جدالهما اليومي.. أصلي المغرب، ثم أذهب إلى القهوة وأجلس مع الرجال.. أصلي العشاء، ثم أنام
كانت هذه هي حياتي، حياة روتينية زيادة عن اللزوم ولكن هادئة، كانت هكذا حتى قابلتها، ويا ليتني لم أقابلها.

مين أين أبدأ؟
كانت جميلة، لفتت انتباهي في أحد الأيام، عادةً لا أنسى الأيام، لا أنسى أي شيء ولكنني نسيت عندما رأيتها، أخذت كل تركيزي حتى جرحت يدي جرحت يدي بالمنجل فوجدها تقترب مني وتضمدت جرحي.. وشاحها قصير نسبةً إلى شعرها الأسود الطويل الذي يصل إلى خصرها، لم أرى عينها بعد، لم أرى ملامحها لأنها كانت تنظر أرضًا، لكنها بعد أن ضمدت يدي بمنديل شعرها رفعت رأسها ولكن عينيها كانت متعلقة بالأرض، وهل هناك أجمل من فتاة ترفع رأسها فخرًا وتبعد عينيها وتنزلها في الأرض حياءً!
رفعت رأسها فرأيت ملامحها، بيضاء كالثلج، وجنتيها حمراء كالبندورة، تنعكس الشمس على وجهها فتنير قلبي، خصلات شعرها المتطايرة على وجهها، عينيها السوداء الضيقة مع الكحل الأسود ورموشها الطويلة التي لمحتها قبل أن تغادر بعد أن شكرتها تجعلني أنسى من أنا وماذا أفعل هنا.. تجعلني تائهًا فيها..
عدت إلى البيت، لم أكل، لم ألهو وأمزح مع أولادي ككل يوم، لم أجلس مع زوجتي وأسمع حديثها المستمر عن زوجة أخي وتقصّ جدالهما اليومي الذي يكون بلا سبب عادةً، فقط صليت فروضي وباقي اليوم عقلي منشغل بها
كيف أصبحت كيان عاشق هكذا؟
أحلم بها مرارًا وتكرارًا، أحلم وأحلم كالعاشق الولهان.. رأيتها مرة واحدة فأصبحت عاشق لها ولأطيافها التي تتراقص حولي في كل مكانٍ، تتراقص كالفرشات، كم أحب هذه الأطياف!
كم أحبها!
أحببتها حقًا؟
قررت أن أتزوجها، من حقي أن أتزوج أثنين وثلاثة وأربعة أليس كذلك؟.. ذهبت أسأل المزارعين عنها، لا أعلم عنها شيء، كيف لم أسألها عن اسمها؟ وهل بقى لي عقل كي أسألها؟!
“لم أرى فتاة هنا بهذه المواصفات”
“لو رأيت فتاة بهذه المواصفات لتزوجتها”
“وهل هناك فتاة بأحد المواصفات هنا؟ بالتأكيد أنت لم ترى جيدًا”
“وهل تظن أنني سأخبرك إن وجد فتاة بهذا الجمال؟”
لم يراها أحد من قبل ولم يسمع عنها، من هي تلك الفتاة؟
هل هي فتاة حقًا مثل باقي الفتيات أم ملاك؟ لا أعلم لكن المهم الآن من هي وأين تسكن.
يوم جديد، استيقظت باكرًا قليلَا فذهبت إلى الحقل الساعة الواحدة مساءً، لا تسمع في هذا الوقت سوى عواء الكلاب، جشاء الرياح، صراصير الحقل تعزف أنشودتها المعتادة، كنت التفت حولي لعلي أراها رغم علمي بأنني لن أراها ولكنني كنت أبحث عنها، أبحث عن شخص مجهول رأيته مرة واحدة فقط..
جلست أشعل النيران في الحطب الذي جمعته، أنار لي الحقل قليلًا، سمعت صوت أحد يذكر اسمي، كان صوت رقيق جدًا، التفت فرأيتها، كانت هي، كانت تقف خلفي، فور أن التفت لها وجدها تجري، هرولت خلفها كي ألحق
أجري..
أجري..
أجري..
ظللت هكذا حتى انقطعت انفاسي، وقفت ألتقت انفاسي حين وجدها تدخل منزل قديم مهجور، خشبه محروق، نوافذه مُحطمة، لا يوجد نبات أو حيوان حوله وكأن من يقترب منه يموت، وكأن لا حياة حول هذا المنزل.. يقول البعض أنه كانت هناك ساحرة تعيش في هذا المنزل تقتل الشباب والرجال الذين يسيرون خلف جمالها بشتى الطرق، تغرقهم، تقتلهم بيدها، تقطعهم أربًا، لا يهم الطريقة المهم أنها لا تتركهم أحياء.. حين قبض عليها وحُكم عليها بالإعدام قالت أنها كانت تريد قتل كل رجل يترك زوجته لمجرد أنه رأى فتاة جميلة وفاتنة مثلي.. بعد أن ماتت قال الناس أنهم يسمعون صوت فتاة رقيقة يأتي من المنزل تنادي عليهم، او صوت أقرباء قد ماتوا منذ زمن، لكن الناس منعوا الاقتراب من هذا المنزل وأصبح هذا المنزل والمنطقة حوله من المناطق المحظورة.. هل أصدق كل هذا؟ بالطبع لا من يصدق هذه الخزعبلات؟
مين يصدق بوجود نداهة؟
إذا كان هناك أحد يصدق فلست أنا بالتأكيد..
لحقت بها، ستقول لي الآن يا لك من محظوظ كما قلت وما أنا بمحظوظ، ستقول لي وجدت حبيبتك التي لم تراها سوى مرة واحدة ويا ليتني لم أجدها..
قبل أن أدخل سمعت صوت ارتطام الماء، وكأن شخص قد وقع في هذا الخليج، هل أذهب وأنقذه أم أتركه وأدخل الباب؟
تقدمت خطوة نحو الباب فشرت بشيء غريب، وكأن ضميري يرقل قلبي ليفيق وينقذ من سقط في الماء ولقد نجح، فقط ذهبت للماء، لم أرى جيدا لكن شعرت به وهو يتحرك أسفل الماء، خلعت جلبابي وقفزت في الماء، ويا ليتني لم أقفز؛ فقط سحبني شيء ما إلى الأسفل، تيار شديد يسحبني للقاع، لكن.. هل التيار يمسك للقدم هكذا؟ إن هناك شخص من يسحبني!
أضرب بيدي فأسمع البطيط، أحرك رجلي وكأنني أقود عجلة لعل وعسى أخرج من الخليج، أحاول وأحاول.. أحرك رجلي مرارًا وتكرارًا، تقل انفاسي، يمتلأ صدري بالماء، يتسلل الصداع إلى رأسي، تكاد عيناي أن تنغلق حتى وجد أحدًا يخرجني من هذا الخليج اللعين، آه لو أعلم من كان يسحبني!
ربما النداهة هي من حاولت قتلي!
نداهة! ما الذي أفكر فيه الآن؟! من الواضح أن قلة الأكسجين أثرت على عقلي فأصبح يفكر في هذه الخرافات..
ظللت أسعل كثيرًا، الماء يخرج من فمي، رفعت رأسي فكانت هي من أنقذني

يا لها من بطلة.. قبل أن أقف هربت وذهبت إلى المنزل، دخلت خلفها، صرير الباب شديد، أشاحت الوشاح من على وجهها، ضوء القمر ينعكس عليها فيعطيها جمالًا فوق جالها.. تقدمت ببطيء، كلما تقدمت كلما زادت ابتسامتي، لم أكن أعلم أنني كلما تقدمت إليها كلما تقدمت للموت.. اقتربت هي أيضًا ببطيء، لكن فور أن اقتربت تحولت إلى عجوز شمطاء، شعرها خالطه اللون الأبيض ليس كما رأيته، قدميها أصبحت ك.. كقدم الماعز!
تنظر إليّ بعينيها التي أصبحت بيضاء، أخفت أنا؟
بل تجمدت من الخوف، إنها.. النداهة!
إن الأسطورة حقيقة!
لقد لبيت الآن نداء النداهة!
تقدمت وأمسكت قميصي ثم قالت بصوت رجولي شديد اقشعر له بدني:
_لا مكان للخائنين
ثم رفعتني لفوق وكأنها تحمل ريشة وليس إنسان وزنه يتعدى ال ٨٠ كيلو!
قذفتني كما يقذف الأطفال الطبق الطائر، قذفتني خارج المنزل من النافذة لأرتطم في الشجرة، أصبت إصابة بالغة في رأسي مما جعلني لا أرى أو أسمع شيء بعدها..

بالطبع أنت الآن حزين وتظن أنني مُت، لا لم تتوفني المنية بعد..
إن السير خلف النساء وخيانة الزوجات ليس جيد وله عواقب لكن ليس لدرجة القتل، لم تتوفني المنية أجل لكن أُصبت بالشلل، أعلم إنها لن تتركني حيًّا.. أتظن أنها ستترك من يخون زوجته حيًّا! هي تعلم كما نعمل أن الخائن لن يكف عن الخيانة، أعلم أنني سأقابلها، أعلم أنها ستنتقم لزوجتي الذي لا تعلم ماذا حديث لي، قال أحد المزارعين أنه وجدني أسفل الشجرة والدماء تسيل من رأسي، قيل أنني سقطت من على الشجرة..

مر عام على هذا الحادث، أنسيت ما حدث لي؟ لا، بالطبع، وهل سينسى أحد أنه لبّى نداء النداهة؟
هل سينسى أحد أنه لم يمت على يد النداهة؟
أنسيت هي؟ بالطبع لا؛ فإنا أراها كل يوم أمامي، وهي تبتسم بشرٍ، لا أعلم لماذا لم تقتلني كالباقي..
ربما أعجبها شكلي وأنا لا أستطيع الحراك والتحدث؛ فليس الموت عقاب، إنه عقاب للأحباء والأقارب وليس للميت؛ فعاجلًا أم أجلًا سأموت.. الكل يموت ولكن ننسى هذا.
ربما ستنتظر عام أو عامين أكون قد تعذبت بما فيه الكفاية ثم تقتلني
ربما وجدت أحد الخائنين مثلي الذي يذهبون خلف أي فتاة جميلة كالكلب الذي يلهث ويبحث عن قطعة لحم شهية تسد جوعه
لا أعلم ماذا تفعل الآن، لا أعلم هل ستقتلني أم تكتفي بجعلي مشلول، لكن ما أعلمه هو أن الخيانة مؤلمة..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.