حنان العسيلي تكتب فنجانٌ من القهوة لايكفي!


 

فنجانٌ من القهوة لايكفي!

حنان العسيلي

نافذةٌ زجاجيةٌ تطلُّ على الشارعِ ،غيومٌ في السماءِ تداوي كثيرًا من الآلامِ، وترد الأرواح المهاجرة لأصحابها بضع لحظاتٍ!
يجلس شخصٌ على منضدةٍ بمقعدين أحدهما فارغ ،يفكر ويشرُد ..يبتسم حينًا ..يبكي حينًا أخرى ..يعلو صوته تارة ،ثم ينخفض تارة.

يأتي إليه النادل..يطلب منه فنجانين من القهوة السادة..ينظر النادل على المقعد الآخر ..ثم يمضي .
يعود مرةً أخرى لكلامه ويقول :هل تدرين بأنني أشرب القهوة بدون سكر فقط لأشاركك أشيائك ..كل أشيائك تهمني!

ترد عليه قائلة : أدري وهذا ما يشعرني أحيانًا بالذنب..ثم تضحك ،وتعاود حديثها :أعلم أن فنجانًا من القهوة بدون سكر لا يفهمه سوى قليلين ،أن تحب الشيء بطبيعته ،فتتحمله بقسوته ومرارته..دون أية إضافات لآخر مدى..ليس بالشيء اليسير !

يرد قائلًا :لهذا أحببتكِ..لأنكِ لا تتقبلين مني سوى كل حقيقي ،وأنا أراكِ حقيقية في كل الأحوال ..
لكن كثيرًا ما يقتلني فيكِ التردد ،والحيرة التي لا تفارق عينيكِ،وكأنكِ كنتِ دومًا تبحثين عن شيءٍ ..شيءٍ لا أفهمه.
تقاطعه :أنا أيضًا لا أفهمه.
يأتي النادل بفنجانين القهوة ،يُلقي نظرة على الشخص الجالس على المقعد ويضع أمامه طلبه ويتركه .
يتناول فنجان القهوة ويبتسم للفنجان الآخر، وفي عينيه دمعة متحجرة..وعلى أنغام جوليا بطرس يرتشف القهوة قطرة قطرة..كما اعتادت هي أن ترتشف القهوة على مهلٍ ،يجتاحه صوتها وهي تردد كلمات جوليا مع فنجان القهوة :
“يمكن ماقلت لك إنك انت حبيبي ..لكن قدمت لك حياتي يا حبيبي ..يا أحلى عمري اللي جاي ..بدي أحكي لك حكاية..”

تحدثه قائلةً :لا تزعجني الأشياء التي لا أحبها ..لكن كثيرًا ما تميتني خوفًا كل الأشياء التي أعشقها ،أتخيل مثلًا لو أنني استيقظت يومًا على فراق أحد أحبابي ،كيف سأمضي في الحياة ؟،كيف سيحيا قلبي بين جوانحي ؟..أن تفقد روحك ،أشد ألمًا من أن تفقد جسدك ،لكم جميلًا ذلك العالم الآخر !
كم رائعًا أن أحيا في السماء ،فتعلو روحي وتسكن في أكثر الأماكن نقاءً وسكينةً !

ينظر إليها بحيرةٍ قائلًا :لِم كل هذه المخاوف؟..ثقي بربك وحده سيملأ قلبك سكينةً ويقينًا..وثقي بي واستمدي دفئك من قلبي ،الذي لا جيران لك به .
تبتسم له وتصمت .

يأتي النادل مرةً أخرى ليأخذ فنجان القهوة الفارغ ويترك الآخر ،وينظر بعطفٍ للشخص الجالس ،ثم يتناول فنجان القهوة الآخر ليرتشفه كما ارتشف الفنجان الأول .

ثم تعاود أنغام جوليا بطرس أذنيه :”راح أضحي بأيامي تا إرضي عينيك..راح جمع أحلامي.. رشّا ورود حواليك ..”
تلمس شعره الأبيض بيديها الحانيتين ..قائلةً : كلما نظرت لشعرك الأبيض ..كلما رأيت سنينًا طويلة من الحب والصدق ،كفيلم يسترسل أحداثه أمامي بقسوته وجماله !
يقع من يديه فنجان القهوة ويبكي بصمتٍ شديدٍ ..يسرع إليه النادل ويجمع الفنجان المكسور ،ويسأله إن كان يحتاج فنجانًا آخر ؟

ينظر حوله ،فلا يجد حبيبته التي أحضر لها فنجان القهوة الثاني ،ويجد المقعد فارغًا ،ولا أثر في أجواء سمعه لأغنية جوليا بطرس..
.
سأله النادل مرة أخرى إن كان يريد فنجانًا آخر من القهوة ..فأجابه متظاهرًا بالتماسك: فنجانٌ من القهوة لا يكفي !..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.