هناء مطر تكتب تمرد


 

استيقظت الساعة السادسة صباحا، أعددت كوب من القهوة السادة وقلت:- نعم، أنا لا احتسي القهوة؛ تزيد نبضات قلبي، تشعرني بهبوط حاد في الدورة الدموية وربما تكون سبب وفاتي في يوم، ولكن اليوم ساحتسيها
لِمٓ؟!
ساتمرد على كل شيء اليوم
لِمٓ؟!
لقد سئمت الإلتزام والحرص

أرتشفت رشفة واحدة وقلبي بدأ يدق ويدق
لا بأس
فليكن الموت، لايهم، أنا أموت كل يوم، مالجديد؟!

فليكن الموت، مرحبا به

تماسكت، أرتديت عباءتي السوداء، نظرت خلفي وودعت بيتي، ربما تكون المرة الأخيرة لي به

لايهم

لن أنزل على الدرج اليوم، انتظرت المصعد، حينما وقف أمامي وفتحت أبوابه وضعت قدمي به دون تردد، كان خال مثل حياتي، حينما ضغطت على زر النزول، ارتجف قلبي، ارتعش جسدي

لا يهم، سأموت؟!
أريد الموت

توقف المصعد في الدور الرابع، صعدت أم تحمل رضيعها
ابتسمت لي وقالت:- صباح الخير، أول مرة أشوفك في الاسانسير، منزلتيش لية على السلام زي كل يوم؟!

ابتسمت لها وقلت:- صباح الخير، لم أعطيها إجابة، لِمٓ التدخل في حياة الآخرين؟!

لم تعاود السؤال مرة آخرى

أعطيتها ظهري، وظللت أنظر لنفسي في المرآة
امرأة غريية عني، وجهي بهالاته السوداء يعكس حزني، جسدي ممتلئ بالدهون، حتى العباءة مكرمشة، لم أرتدي قط ثيابا بهذا الشكل المقزز
لا يهم، اليوم مختلف عن كل يوم

نزلت، نظرت خلفي مودعة أيضا المصعد، خرجت للشارع

فكرت في أول مطعم يعد الفول والطعمية
لِمٓ؟!
ساأكل اليوم أقراص الطعمية المليئة بزيت محروق
لم آكل الطعمية قبل ذلك
تمغص أمعائي، وأتقيأ منها
لا يهم، ربما أتقيأ معها روحي و الحزن

وقفت بجوار المقلاة، اشتم رائحة الطعمية، لطالما شممتها وتمنيت أكلها مثل الجميع دون ألم أو خوف

أخذت قرطاس الطعمية، جلست على الرصيف مثل الشحاذين، نظرت ليدي، لا يهم إن كانت نظيفة أم لا

لن اتردد، سألتهمها وآكل بنهم وشراهة مثلهم

قطمت قطمة، مازالت تقف في حلقي، لا استطيع بلعها، ولكن سأبتلعها

بحثت عن ماء، هناك في آخر الشارع يوجد مبرد ماء كولدير وضعه أبناء سيدة توفيت منذ سنوات، رحمة على روحها
لعل من يشرب منه يدعوا لها
لطالما رأيته ودعوت لها، اليوم سأشرب منه، ومن الكوب المربوط بسلسلة حتى لا يسرقه أحد
كوب بلاستيك غير نظيف، الجميع يضع فمه به

لن اشمئز، سأشرب
شربت
الماء مثلج وجميل
يقال أن الماء ليس له طعم أو رائحة
لكن هذا الماء مذاقه رحمة، رائحته رائحة الخير
كل شيء يصنع من أجل الله له مذاق مختلف، رائحة مختلفة

الماء والزيت لا يمتزجان في أمعائي، أشعر بالدوار
استندت على حائط، أغمضت عيني هنيهة
ثم فتحتها واستمريت في السير

قابلت امرأة وجهها يملؤه السعادة، توزع خبز بلدي فلاحي
ابتسمت لي واعطتني خبز وقالت:- عقبال أولادك، ده عيش بوزعه عشان فرح ابني

وهل يوزع الخبز في الأفراح؟!
عادة قديمة مازال يتبعها البعض خاصة في الأرياف، وأحيانا البعض يوزع فول نابت، مثل نذر، أو كما يقال لأخذ عين الشيطان والحساد

هنئتها بهذه المناسبة السعيدة وأكملت السير

الجميع سعيد إلا أنا
حياتي خاوية من الفرح

لِمٓ؟!
صدقني لا أعلم

سئمت حياتي ولطالما تمنيت الموت
تفكرين في الانتحار؟!
لن أكذب عليك، أحيانا كثيرة تراودني أفكار شيطانية، وفي النهاية أسمع صوت بداخلي يقول ليس اليوم، ربما غدا أو بعد غد

واليوم؟!
ماذا عن اليوم؟!
تفعلين كل شيء لم تفعليه قط
صدقني سئمت الإلتزام، الحرص، الخوف، الروتين، لا بأس من بعض التمرد

لكنكِ تفعلين كل ما يؤلمك؟!
وهل كنت لا أتألم قبل اليوم؟!
أنفاسي تتألم، روحي تتألم بداخلي

الألم الجسدي لا يقارن أبدا بألم الروح

متى ستعودين للبيت؟!
لا أعلم، ربما لن أعود
اليوم يوم انتحارك؟!
ربما
عودي معي
ومن أنت؟!
أنت مجرد صوت بداخلي يمنعني كل يوم، ألم تيأس مني؟!
ألم تيأس من محاولات منعني؟!

لا، لن أياس منك أبدا

متى ستتركني وحدي؟!
لن أتركك
الجميع تركني
ولكنني لست مثلهم
أنا أنتِ
الإنسان أحيانا كثيرة يبعد عن نفسه، يغترب عنها، لا يحدثها، ولكن في النهاية نفسه تلازمه حتى الموت وتحاسب معه

قد يتخلى عنك الجميع ولكن كن على ثقة أن نفسك لن تتخلى أبدا عنك.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.