صفاء حسين العجماوي تكتب خارج الأسوار


 

خارج الأسوار
#صفاءحسينالعجماوي
رن هاتفه المحمول للمرة الثانية على التوالي. أنه لن ينظر إلى اسم المتصل، فنغمة هاتفه أنبأته بمهيته، ولكنه لا يستطيع أن يكتم غيظه. لمَّ تصر على الاتصال به، وهي تعلم أنه لا يريد محادثة أحد مهما كان قريبًا منه. يبدو أنها قلقة بشأنه، أو أنها تريده في أمر لا يحتمل التأجيل. سيجيبها أن اتصلت الثالثة، فلا مفر من معرفة سر ألحاحها. أجل هو لا يريد أغضابها، ولكنه غاضب بما يكفي من كل شيء. أن كانت تهاتفه لمجرد الاطمئنان عليه، فليهدئ بالها، ثم ليطلب منها أن تعطيه فسحة من الوقت لنفسه، على أن يعيد الاتصال بها حالما يستطيع ذلك. سيعدها أنها ستكون أول من يتصل بهم حينما يعود للحياة الطبيعية أما الآن فلا.
أرتفع رنين الهاتف. أنها المرة الثالثة، أخذ يقوم بالشهيق والزفير لخمس وعشرين مرة حتى يهدأ، ويبدو صوته طبيعيًا. ضغط زر الإجابة، واندفع الكلام من فمه كطلقة مدفع: مرحبًا، كيف حالك؟. أنا بخير لا تقلقي.
ضحكت برقة، ثم أجابته بلؤم: يبدو أنك تدربت على هذا الجواب طويلًا قبل أن تجيب، فجاهزيته لا يمكن أن يغفلها طفل صغير.
سقط قناع الهدوء الذي غلف به نفسه وصوته، وقال مندفعًا: طالما تعلمين هذا، لمَّ تصرين على محادثتي، لقد طلبت منك أن تتركيني لبعض الوقت أريد أن أكون بمفردي. لقد طلبت مهلة للانعزال لأفكر وأحل الأمور المعلقة، ولكنكِ تصرين على اقتحام عزلتي بلا سبب.
أجابته بنبرة هادئة متفهمة: لقد تركتك لعزلتك الأختيارية أسابيع، وصبرت على ما لم أحط به خبرا شهور، فهلا أجبتني بصدق، هل هدأت نفسك؟ هل استطعت أن تحل الأمور المعلقة؟ هل أنت سعيد.
زفر بقوة، وهتف بحدة : كلا وأنتِ تعلمين الإجابة مسبقًا.
ردت بهدوء: هلا استمعت إلىَّ أولًا؟
صمت، ولكن أصوات أنفاسه المتلاحقة بدأت تهدأ. احترمت الصمت حتى هدأ تمامًا، ثم قالت: لقد سنجنت نفسك مع كل الأمور التي تكرهها، وأغلقت بابك دون كل ما ومن تحب. أنك لم تحب العزلة، لم تكن مريحة بالنسبة لك، فلا أحد يستطيع العيش مع ما يكره فقط، أليس كذلك؟
لم يجبها بحرف، وأصر على التذرع بالصبر. لم يصيبها هذا بالإحباط، ولكنها اعتبرته إشارة لتكمل، فألتقطت نفسًا عميقًا، أخرجته ببطء، ثم قالت: أنا لن ألح عليك في معرفة ما تريد الاحتفاظ به لنفسك، ولن أعرض خدماتي لحل تلك المشكلات التي لا أعلم عنها شيئًا، ولكني سأطلب منك طلبًا واحدًا، فلتجيبني إياه رجاءًا.
نطقت كلمة رجاءًا برجاء حقيقي لمس قلبه، فأجابها بسرعة: لكِ ما تطلبين.
ابتسمت دون أن يراها، ولكنه يعلم يقينًا بأنها فعلت، ثم قالت بسعادة: إذا لتعطيني بعضًا من وقتك الآن، سأخرجك خارج الأسوار التي أحطت بها نفسك، وبعدها أما لتعد لأنعزالك، أو لتعد لنا.
رد بقلق: أنا لا أريد الخروج من المنزل، كما أنه يتطلب أعدادي لذلك وقتًا ومجهودًا لا اطيقه.
ضحكت وقالت بمرح: لن أطالبك بالخروج من المنزل، ولكني أطلب منك أن تحرر قيود عقلك، ولترحل معي بروحك وخيالك في رحلة خارج أسوار الأنعزال.
أجابها بلا حماس: ليكن.
ثم صمت للحظة، وقال ببعض الاهتمام: ولكن يجب أن تبدأي بطرق الباب.
ضحكت، فابتسم، ثم قالت بشقاوة: أجل معك حق، فلنبدأ. تك تك توك. أيها السيد القاطن خلف الأسوار الشاهقة التي ليس لارتفاعها نهاية، هلا فتحت لي الأبواب.
ابتسم ورد بنبرة مفتعلة الغيظ: من الطارق؟ لا أريد أن يحدثني أحد.
أجابته بمرح: أنا جنية الأحلام جئتك لأخرجك من خارج أسوار العزلة، هلا أبعدت هذا التنين القابع خلف الباب؟ أن لهيبه يحرقني. أنا فراشة بيضاء مسكينة، لا حول لي ولا قوة.
ضحك بقوة، ثم أجابها: لكِ ما طلبتي، لقد أعدته إلى حظيرته، وهاك الباب يفتح، ولكن إلى أين؟
تظاهرت بالتفكير، ثم أجابته: دعنا نخرجك أولًا، وبنفكر معًا إلى أين تحب الذهاب الآن؟
رد ببساطة، محاولاً أخفاء فضوله: كما تشائين، لا نية لي في الذهاب إلى أي مكان، ولكنكِ
قاطعته بسرعة قائلة: وجدتها. ما رأيك في بحر وشروق شمس على صفحته، ورمال تغوص بها الأقدام، سأخذك إلى مطروح، فأنت لم ترها من قبل.
ابتسم مستحسنًا أختيارها، وقال لها بنزق مفتعل: ليكن.
ضحكت وقالت بسرور: سأخذك إلى عجيبة أجمل شواطئ محافظة مطروح. جيد أنك ارتديت هذا الحذاء الرياضي الخفيف، فيجب أن تصعد على أرتفاع ليس بالقليل. لا تغضب هكذا من السير، فأن نظرت على يمينك شاهدت المياه المتدرجة الألوان تلاحق خطواتك برقة. قف هنا سألتقط لك بعض الصور
حاول الاعتراض، فقالت بغضب: حرر روحك،، وأترك قيود العقل، واستمتع بالرحلة.
سكت، فأكملت بنبرة حالمة، لقد أقتربنا كثيرًا من درج الهبوط للشاطئ؛ أخلع حذاءك، وأتركه هنا لن يأخذه أحد، هل تشعر بجمال ملمس الرمال، خلل أصابعك فيها. جيد هيا لنهبط قليلًا، قف هنا واستند إلى شمالك حيث الجبال، سألتقط لك بعض الصور الأخرى. هيا لنتسابق، من منا سيصل إلى الشاطئ أولًا، لا تستخف بجناحي فراشة، سأسبقك.
ضحك، وقال بمرح: بل سأسبقك بالتأكيد
ضحكت، وقالت: يبدو أني أخطأت عندما ظننت أني سأفوز، لا تنظر إلىَّ متفاخرًا بنصرك، ولكن أغمض عينيك للحظة، وأدر رأسك تجاه البحر، هل تشم رائحة اليود والملح؟ ، هل تشعر بالهواء المحمل بالرذاذ؟. أفتح عينيك، وأنظر إلى الجبلين المحتضنين للماء كيف يرحبان بها، وأنظر إلى صفحة الماء، هل تستطيع عد درجات الألوان التي تبدأ بالأبيض وتنتهي بالفيروزي. ألقى ببصرك على امتداد الأفق، لترى الشمس ترفع رأسها من قلب الماء، تنثر أشعتها على صفحته بدلال، كطفلة تصحو من نومها، تبعثر خصلاتها في الهواء.
سكتت لدقائق، ثم قالت: يبدو أنك تعبت، هيا لتجلس على الرمال الناعمة، وأترك لموج البحر الهادئة أن تداعبك، وتغريك بالسباحة.
رد باسترخاء: أنها تناديني، ولكني لن أذهب، يكفيني أن أشيد منازل على الرمال.
سألته باهتمام: ماذا ستشيد؟
رد بحماس: منزلًا بسيط من طابقين، على جانبيه سأزرع أشجار الموز والأناناس ونخيل جوز الهند، سأصنع من الجريد والسعف ما سأحتاجه من أدوات. هاك بعض الموز لتتذوقينه، ما رأيك به؟
رد بسعادة: ما أطيبه! هلا سمحت لي بالمزيد؟
ضحك وأجابها بشقاوة: كلا بالطبع أنكِ ستأتين على ثمار الموز كله بمفردك.
ضحكت، وقالت بنبرة مماثلة: سأترك لك جوز الهند والأناناس. أنها صفقة عادلة.
ضحك، وأكمل بعناد مصطنع: كلا بالطبع، فأنا أريد بعض الموز.
قبل أن ترد عليه، آن هاتفه الأخر باتصال هام، أغلق هاتفه، وقال لها بضيق: ليس أمامنا كثيرًا من الوقت، فقط عشر دقائق قبل أن أعود، إلى أين سنذهب؟
قبل أن تجيبه قطع اتصالهما أشارات باتصال على هذا الرقم. ضحكت وقالت بهدوء: يبدو أنه ليس أمامنا سوى العودة، فالمتصل لحوح أكثر مني.
زفر، وقال بضيق: أنه العمل، لا مفر منه.
أجابته بكياسة: لا تغضب يمكننا أن نذهب في رحلة أخرى، في وقت أخر.
سألها بلهفة: متى؟
ابتسمت وهي تجيبه: متى أردت.
أجابها بحماس: ما رأيك بالغد أو بعد الغد.
ضحكت، وقالت: كلاهما جيد، ولكن من سيكون المرشد أنا أم أنت؟
أجابها بعفوية: ليكن مرة أنتِ، وأخرى أنا، هل اتفقنا؟
ضحكت، قائلة: ليكن كما تحب.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.