أيمن موسى يكتب وعد {2}


 

وعد {2}
ــــــــــــــ
بالله عليك أخبرني يا صديقي عن أية عدالة تتحدث؟
( آسر ) بحزن وقلق نعم أعلم كل هذا وأكثر وأنا وكل جيلنا يعيش هذه المأساة يا صديقي ولكن ماذا عسانا نفعل ؟
هل يعقل أن يكون الحل هو أن نبيع أنفسنا للشيطان يا صديقي ؟
هل تعلم حقًا من هو سمير الرحال ؟
يوسف بنبرة تحمل التحدي والإصرار معًا نعم أعلم جيدًا من هو وما زلت عند رأيي ولن أتراجع مهما حدث .
آسر لا يا صديقي أنت لا تعلم حقًا ولو كنت تعلم لفكرت ألف مرة قبل أن تتخذ قرارًا كهذا .
إسترسل بحديثه قائلًا هل تخبرني كم عدد الذين سافروا معه وكم عاد منهم ؟
كم شاب ممن عرفناهم وأحببناهم ما زال مصيرهم مجهول ؟
بالله عليك هل سمعت ما يتردد هنا وهناك وما تلوكه الألسنة ؟
هل تعلم عن كل هذا يا يوسف وما زلت تود السفر من خلاله؟
ألا ترفق بوالديك وأمل با صديقي؟
يوسف بأسى وحزن كفى يا صديقي كفاك حديثًا بلا طائل وكأنني أملك رفاهية الإختيار .
إستطرد يقول بحزن وكأنك لا ترى ما نعانيه جميعنا هنا .
نطق عبارته الأخيرة وتباشير دموع عجز عن كبح جماحها قد تجمعت بحدقتيه لتختزل مرارة الظلم وقسوة الواقع بكل ما يحمله من جحود .
إستطرد يقول بإنفعال قد بدا على خلجات صوته وملامح وجهه بالله عليك أخبرني بسبب وحيد يجعلني أنا أو أي شخص أخر يتمسك بوجوده هنا ؟
أنظر من حولك يا صديقي وأخبرني لماذا قد أظل أنا أو غيري هنا ؟
نظر بعيني آسر مليًا وهو يقول بوجع من كانوا مثلي ومثلك يا صديقي لا مكان لهم هنا فلا حياة هنا إلا لمن ولدوا وبأفواههم ملاعق من ذهب أو من المنتفعين والمطبلين وممن يجيدون اللعب على جميع الحبال والآكلين على كل الموائد .
أردف قائلًا هنا ببلادنا أكثر من يملكون المال يحصلون عليه بطرق غير مشروعة إلا من رحم ربي فهل تريدني أن أصبح تاجرًا للمخدرات أو ربما منقبًا عن الأثار ومتاجرًا فيها أم أنك تفضل أن أدخل الى عالم السلاح والجريمة أو ربما تريدني أن أتحول الى مرتشي أو بلطجي يحصل على المال من الضعفاء أخبرني يا صديقى بأي من هذا تجدني أليق؟
هل أملك رفاهية إختيار الحياة التى أريدها وتريدها ويريدها كل شريف وحر بأوطاننا وما أكثرهم ولكنهم مغلوبون على أمرهم .
آسر وأنت ماذا إخترت يا يوسف ألا تعلم أن ما ستقدم عليه أشد خطورة من كل ما ذكرته الأن؟ كل ما ذكرته لن تكون مضطرًا عليه لأنك تمتلك قلبًا نابضًا بالحب وضمير يقظ وقبل هذا وذاك لديك ما تخشى فقدانه وخسارته يا صديقي أردف يقول بحب لديك أمك وأبيك وأمل .
نظر يوسف نحو عينيه مباشرة وهو يقول بتحدي ومن أجلهم هم لا مفر من المخاطرة يا صديقي.
آسر بخوف وقلق هل يجب علي أن أذكرك أن سمير الرحال يا يوسف ليس سوى سمسار يتاجر بكل شئ وأي شئ بلا أي معايير أخلاقية أو رادع من ضمير ؟
فهو سمسار ومورد للأعضاء البشرية يعمل مع مافيا التجارة بالأعضاء البشرية بدول الاتحاد الأوربي وأمريكا وأغلب من سافروا معه وعن طريقه لم يصل منهم إلى أوربا سوى أعضاءهم كقطع غيار ومن يصل الى هناك لا يجد أمامه إلا مافيا السلاح والمخدرات يعملون معهم بنفس الأنشطة لإستدراج ضحايا جدد أردف يقول بغضب حتى أن بعضهم قد تحول إلى مرتزقة لا يهمهم بجانب من أو لصالح من يعملون وما يحدث باليمن وليبيا وسوريا ليس بخافي أو بعيد عنا .
في محاولة يائسة من آسر لإعادة يوسف إلى جادة الصواب وضع كلتا يديه على كتفيه وهو يحدق بعينه مباشرة في نظرة تحمل الحب والود والكثير من الرجاء والتوسل وهو يقول هل هذا أنت؟
أجبني هل هذا يوسف الذي أعرفه وتربيت معه منذ نعومة أظافري؟
لا يا صديقي لست أنت هذا الشخص . إستطرد يقول بثقة أعرف جيدًا من تكون يا صديقي.
توجه نحو النافذة رافعًا رأسه للسماء وكأنه يستمد الثقة واليقين من الله وهو يقول ما زالت الدنيا بخير يا يوسف وذات يوم ستستعيد حقك بل سنستعيد كل حقوقنا المسلوبة وكما يقولون ما ضاع حق وراءه مطالب وأنت يا صديقي ما زلت شاب بمقتبل العمر والحياة مقبلة إليك لا مدبرة فلا تراهن على شئ خاسر ولا تقامر فالخسارة ستكون فادحة .
يوسف وكأنه يحاول بإستماتة توضيح وجهة نظره لآسر أنت تعلم أننى لا أريد أي شئ لنفسي ولا أبحث عن مجد شخصي ولكن والدتى وكما تعلم بحاجة ماسة إلى عملية عاجلة بعينيها وإلا فستفقد الإبصار نهائيًا ليستطرد قائلًا هل تعلم كم تكلف هذه العملية الدقيقة لإعادة الأمور لنصابها أقل مستشفى خاص ذهبنا إليها طلبت 20000 ج بلا أية رحمة أو شفقة أما المستشفيات العامة فهى لا تجري مثل هذه العمليات الدقيقة وإن أجروها فعلى المرضى أن يظلوا لسنوات بقوائم الإنتظار حتى وإن حالفهم الحظ وتدخلت الواسطة لتسريع الموعد فالنتائج قد تكون كارثية ويفقد المريض ما هو أكثر من الإبصار .
أشاح ببصره بعيدًا وهو يقول بوجع وإن ذهبت إلى تلك الجمعيات الخيرية والبرامج التلفازية فهم يتاجرون بك على الشاشات وعلى الملأ فيتسولون بإسمك ويظهروك أمام الناس كمتسول ليتم التشهير بك ظنًا منهم أن يكتسبون تعاطف الناس مع الحالات المعروضة ليقوموا بالتبرع والنتيجة يا صديقي أن الفقير يخسر أدميته على الشاشات ليكتسبوا هم الشهرة ومزيد من التبرعات بسخاء دون مراعاة لمشاعر المريض أو أسرته والذين يدفعون ثمن العلاج من كرامتهم وأدميتهم وكأنهم يدفعون ثمن جريمتهم الحقيقية ألا وهى الفقر والمرض.
آسر بحنق وغضب نعم وكم يسوئني ذلك ولو كان الأمر بيدي لأوقفته على الفور فالعلاج حق لكل إنسان على وطنه .
يوسف موجهًا حديثه لآسر حتى والدى وكما تعلم فمنذ تخلو عنه بالعمل وفصلوه هو والكثيرين مثله بحجة أنهم عبء زائد على العمل وخزينة الدولة ليتم إجبارهم على الخروج معاش مبكر وألقوا لهم الفتات ومعاش لا يكفى حتى ثمن الخبز وعندما إعترض بعضهم ومنهم أبي والذي لجأ للقضاء لينصفه ويعيد له حقه المسلوب فها أنت ترى فمنذ سنوات طويلة لم يبت حتى الأن بالقضية بل ونكاية فيه وفى زملاؤه وممن أيدوه وساروا على نهجه منعوا عنهم هذا الفتات حتى يفصل القضاء بالدعوى .
هل علمت الأن يا صديقى لماذا أنا مضطر للهجرة ولماذا قامر من قبلي بحياته ؟
ببساطة يا صديقي نحن وكما أخبرتك لا نملك رفاهية الإختيار .
( آسر ) بحسم وحزم وما زلت أنا عند رأيي يا يوسف وما ستفعله لا يتماشى مع أخلاقياتك ومبادئك وسيؤذي والديك قبل أن يؤذيك يا يوسف .
إستطرد يقول بغصة فى حلقه أعلم أن الوضع سئ للغاية ولكن حسن الظن بالله عباده وكل ما أرجوه منك أن تعدني بحق الأيام الخوالي وبحق صداقتنا وأخوتنا ألا تتسرع بهذا القرار وخذ وقت أطول للتفكير وإتخاذ القرار الصائب.
يوسف بحسم سأتوجه غدًا إلى القاهرة للقاء ( سمير ) للإعداد للخروج والإتفاق على التفاصيل ولكن وتذكر هذا جيدًا فأنا سأخبر أمي وأبي أننى مسافر للبحث عن عمل هناك وذلك حتى يطمئنا علي ولا يقلقا لغيابي فكما تعلم مدى تعلقهم بي خاصة أمي وأمل .
وأرجو ألا تنسى يا صديقي أنك وعدتنى بأن تهتم بهم أثناء غيابي الأن أو بعد سفري فإن حدث لي أي مكروه ولم أصل لهدفي فلا تتخلى عنهم .
آسر صدقني يا يوسف أنت بفعلتك هذه من تتخلى عن كل شئ بل أنت تخذلهم وتخذلني وتخذل نفسك .
إبتسم يوسف إبتسامة باهته قبل أن يتجول ببصره بمنزل صديقه وكأنه يودعه ويودع ذكرياتهما سويًا .
غادر ( يوسف ) منزل صديقه وهو يشعر بأن عبء ثقيل قد تم رفعه عن كاهله وإن كانت هناك غصة وعبرة مختنقة وشعور بالحزن لا يفارقه .
ظلت كلمات آسر تتردد بأذنيه لا تفارقه وكأنها سياط من نار تجلده وتلهب ظهره بلا هواده وهو يردد بصمت نعم يا صديقي لم أصبح هذا الشخص برغبتي وربما لن أعود مرة أخرى لذلك الصديق الذي تعرفه ورافقته سنوات عمرك.
نعم أنا لم أعد أنا فهناك جرح غائر بروحي ووجع لا يدركه إلا من عايشه وعانى منه بل وربما حتى أنا لم أعد أعرفني ربما أنت ترى الظلم وتسمع عنه ولكنك لم تكتوي بناره فما أسوأ الشعور بالظلم دون أن تجد من تلجأ إليه ليعيد إليك ما سلبوه منك وما أخذوه عنوة ودون وجه حق.
نظر إلى السماء وهو يردد بحزن اللهم لا ملجأ ولا ملاذ إلا إليك.
ذهب إلى تلك الساقية والتى كثيرًا ما كانت تحتضن أحلامه وأمنياته الغضة .
هنا كانت أحلام لا حدود لها كانت أكثر رحابة من تلك الأرض الخضراء على مد البصر.
كم كانت أحلامه بسيطة بل ربما لم يكن يجب أن تكون بخانة الأحلام لأنها وببساطة وبأي مكان يحترم أدمية الإنسان وحقوقه هى ليست سوى حقوق نعم هى حقوق كفلتها له الإنسانية وكل الدساتير الإلهية .
وهل كان حلمه سوى التخرج والعمل وأن يرتاح والديه بأيامهم الأخيرة بعد كل هذا العناء والشقاء في رحلة رعايته وأخوته.
اليست هذه حقوق؟
متى تحولت من خانة الحقوق إلى خانة الأحلام ؟
من أخذ حقه وقتل حلمه ؟
هل ستظل هذه الأسئلة بلا إجابات كما جرت العادة؟
يوسف الحالم يوسف الشاعر يوسف الرومانسي كلها ألقاب أطلقها عليه أصدقاؤه من فرط رومانسيته ومشاعره الحالمة وإحساسه المرهف.
نعم هو لم يحب للأن ولم يتجرع حلاوة العشق ومرارة الفراق فهو لم يلتقي بمن يكتمل بها وتكتمل به وربما لم يجد الوقت ليعيش مثل هذه المشاعر ولكنه رسم صورتها وطبع ملامحها بخياله وذات يوم سيبحث عنها وسيجدها .
هو يعلم أنها متواجدة بمكان ما وربما تبحث عنه وتنتظره مثلما ينتظرها لمَ لا وهى نصفه الأخر وهو نصفها الثاني وبتلاقيهما سيكتملان سويًا .
كان كلما أغمض عينيه تراءت له بملامحها البريئة ببريق عينيها كان يدرك أنها ستخطفه من أول نظرة من أول كلمة وأول همسة .
سيعرفها وستعرفه ما أن تتلاقي نظرات أعينهم .
سيبحث عنها ولن يمل من البحث حتى يجدها لتضيئ حياته وتنير طريقه حبيبته وتوأم روحه كما كان يردد لهم دومًا ويخبرهم أنها ستكون نبض قلبه ونور عينيه وأميرة أحلامه وأغلى أمنياته. ستكون ملكة متوجة على مملكة روحه وقلبه سيكون يوسفها لتكون له مريم سيكونان روح واحدة لجسدين .
ما زال شاردًا بحلمه بعيد المنال متسائلًا بينه ونفسه هل من حق الفقراء أن يحلمون؟
هل سيظل يتنقل بين أرصفة الإنتظار أم ستواتيه الفرصة ليستقل قطار الحياة ؟
فتح عينيه المغمضة على صوت جاره يناديه من بعيد وقد كان يستقل دراجته البخارية وهو يسأله مستفسرًا هل تريد أن تذهب الى البيت حيث طريقي الى هناك ؟
أومأ يوسف برأسه إيجابًا وهو يردد بينه وبين نفسه ليتك لم تقاطعني ليتك تركتني هنا مع حلمي وخيالي فهنا المكان الوحيد الذي أجد فيه يوسف الذي أعرفه وأريده .
ليتك لم توقظني وتعيدني إلى الواقع وإلى حيث ينتظرني المجهول .
إستطرد قائلاً بألم وقد سالت دموعه الحارة لتصنع خيطًا متعرجًا بدايته روحه ونهايته وجنتيه وأي مجهول ينتظرني حيث سأذهب بل ربما يكون الجحيم أكثر رحمة مما ينتظرني…

يتبع

أيمن موسى

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.