شيماء الهمّامي تكتب اعتراف


اعتراف

شيماء الهمّامي

كنت أراك فيهم جميعا، كان الشّارع يعجّ بملامح وجهك، كلّ العالم أنت.
أنت لا تشبهين حتّى أشباهك الأربعين، تشبهين الفنّ في أناقته و رُقيّه، تشبهين الحبّ في عفّته و صدقه، تشبهين الحياة في رونقها و لذّتها، تشبهين البيت في دفئه و راحته و تشبهين الكتب في قُدسيّتها.
لا أستطيع حصر نظرتك في كلمات متناثرة على أسطر هذا الكتاب. نظرتك أجمل بكثير من أن تتكرّم هذه اللّغة بوصفها.
إنّنا نحترق في لحظات الحبّ، لا بل في لحظات الألم. إنّ السّواد الذي بداخلنا يحطّمنا شيئا فشيئا و نحن مستسلمون له دون أدنى جهد للمقاومة.
أحيانا من شدّة الألم نطلق العنان لأرواحنا للبوح بكلّ ما يختلجها لأحد الغرباء الذين يمرّون بحياتنا، ربّما مسافر جلس إلى جانبنا في القطار، أو وحيد اختار إحدى أركان المقهى للجلوس، أو ربّما شخص مندثر يجمع فتات روحه على إحدى القبور.
تقول إحدى الأساطير ” أنّ الغريب سيحمل همومنا و يرحل ” أليست هذه أنانيّة؟ أليس لذلك الغريب هموم أيضا؟
أذكر أنّي تطرّقت لهذا الموضوع مع الطّبيبة النّفسيّة التي تتعالج لديها ميار، نصحتني باللّجوء للكتابة كلّما أحسست بالضًيق. استهنت بالفكرة في البداية ثمّ تقبّلتها برحابة صدر، فأنا في النّهاية مجرّد باحث عن سلام نفسه و لو في بضعة أسطر.
حسنا .. أنا إنسان فاشل، فشل في التّصالح مع ذاته
و في التّعامل مع المجتمع، أقف أمام المرآة لأعاتب نفسي و لا جدوى من الإصلاح. لا مهنة، لا أصدقاء، لا عائلة، ولا ذكريات حتّى.
ربّما أنا ذلك الذي صدمته سيّارة في منتصف ليلة كئيبة على الأقلّ بوجد مبرّر لهذه النّدوب التي على جسدي.
أو أنّني ذلك الجنديّ الميّت إثر انفجار قنبلة بوجهه، علّ ذلك يفسّر فقداني لساقي اليسرى.
في لقائي الأخير مع الطّبيبة، أخبرتها كم إرتحت لمرافقة القلم و كم إكتشفت أشياء عن نفسي أهمّها أنّني لا أعرف من أكون و لا أذكر من حياتي شيئا. لكنّ بعض الشّضايا من أيّامي بدأت تتجسّد في ذاكرتي و الأمر لا يروقني البتّة. لا يعجبني ما أراه في أحلامي من كوابيس و لا حتّى في اليقظة.
أنا ذلك الفاشل الذي فشل في التّصالح مع ذاته و في التّعامل مع المجتمع ، أو علّني لم أحاول حتّى.
تلك كانت بداية مسيرتي مع الكتابة، من نصيحة طبيبة نفسيّة للتّخفيف من حدّة الألم، إلى رحلة طويلة للبحث عن هويّة.

ننحتاج تلك الدّفعة الأولى للمواصلة، إنّنا هشّون لدرجة أنّ كلمة واحدة قادرة على تحطيم كلّ ذرّة حلم بداخلنا. و في المقابل حتّى ابتسامة لطيفة كفيلة بجعلنا نحبّ الحياة مرّة أخرى.
إنّ أرواحنا ليّنة للغاية، سريعة الكسر و سريعة الجبر. لكن رغم الجبر يبقى صوت في باطنك يتساءل: هل فعلا تجاوزت؟

الأشخاص مثلنا يخشون المواجهة. ليسوا بقادرين على الوقوف في وجه المأساة و الصّراخ لتبديدها. نحن نتجاهل و نتناسى ليأتي ذلك اليوم الذي تضيق فيه أرواحنا ذرعا بنا و تجمع كلّ المآسي و الخيبات و تلقي بها على كاهلنا.
حتّى أرواحنا سئمت منّا و تركتنا في وجه الإكتئاب وحيدين دون سند . كما قال كافكا: الأمر أشبه بأن تقف في منتصف غرفة و لا يُسمح لك بالإتّكاء على شيء.
إنّنا نُمضي معظم حياتنا في البحث عن أنفسنا التي أضاعتها سذاجتنا، و ما أن نجدها حتّى نُمضي ما تبقّى من العمر في محاولة فهمها و التّصالح معها.
إنّ الأمر صعب للغاية فنفسك هي صديقك الأفضل و عدوّك الأكبر.
إنّني أمثّل النّسخة الأسوء من نفسي، لكن هل لأنفسنا نسخ ؟
هي مجرّد تقلّبات مزاجيّة . هناك النّسخة المفعمة بالحياة، و النّسخة المليئة بالحبّ و المتعطّشة له ، و النّسخة الطّفوليّة التي تميل للبساطة ، و النّسخة المحافظة التي تخشى المخاطرة و النّسخة المليئة بالسّواد.
كلّ منهم يسعى إلى النّور ليدندن لحن حياته بعد طول انتظار و ينفض غبار السّكون عنه.

شيماء الهمّامي

2 Comments

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.