د. طلعت الدردير يكتب : الوجود العربي وأزمات القطيعة


 

د. طلعت الدردير يكتب :
الوجود العربي وأزمات القطيعة

لم يعد أمام الجسد العربي إلا الانهيار والاستلقاء ممددًا ينتظر حتفه، ولم يعد أمام عدوه إلا الانتظار لبرهة ليست بالبعيدة للتشفي منه وفيه؛ لأن الامة العربية باتت رصيدًا نافدًا من الوحدة واللُحمة والاخوة والترابط، لم يعد بينها إلا العداء، ولم يعد يجمعها إلا منصات زائفة ومنابر يدعي عليها كل مكابر معاند بأنه قائد فذ لا مثيل له، وأنه على الوعد مرابط، رفعوا جميعًا لافتات الحرية والديمقراطية، وانتهجوا أيديولوجيات فكرية عالمية المنشأ حقوقية المحتوى هشة الفاعلية لا جدوى منها، تحدثوا كثيرًا وكثيرًا عن الوطن والقومية وضرورة التضامن ولم الشمل العربي وهم مما يقولون براء، بل هم لذلك مناهضين معادين لكل فكرة تجمعهم ولكل همة تشد من أزرهم.
“العرب أخوة من المحيط إلى الخليج” عبارة نمت عقولنا منذ الصغر على رُبى جدولها الرقراق، وشبت أجسامنا كالنبتة الشماء على في معانيها، ولكن مع مرور الوقت اكتشفنا أن هذه الأخوة لعبت بها السياسة وحطمتها المصالح والأهواء الشخصية وقطعتها الحدود التي أوجدها المحتل وأبقاها خنجرًا أدمى به قلب الأمة العربية وقطَع أوصالها ليتركها مشتتة مبعثرة كالقطيع الذي هاجمته الذئاب فغدا كل من فيه فردًا رافضًا اللُحمة يرجو النجاة بنفسه رافعًا راية الأنانية “نفسي نفسي”.
عندما ظهرت الأموال انقسمت الأمة، وعندما ارتفعت شامات مضخات النفط في منتصف القرن العشرين انخفضت أمامها رايات العزة العربية، كانوا يبحثون قبل النفط عن نسيم الحرية وينشدون نشيد الأمة العربية ” وطني حبيبي الوطن الأكبر”، وعندما استقلت كل الدول العربية من تحت وطأة الاستعمار استعمر أدمغتها الأفكار الإمبريالية الغربية التي تدعوهم إلى الانقسام والبحث عن الدعم من الغرب والاحتماء بمظلته الواهية التي ما أراد الغرب من المستظلين بها إلا نحرهم وسلبهم كل ما يملكون . إن مبدأ المصلحة الشخصية هو الذي يحكم السياسة العالمية، وقد رفعه العالم بأسره، فهذا هو ترامب رفعه معتزًا به “أمريكا أولًا” ليعلنها للعالم بأسره أن المصلحة فوق كل اعتبار، وأنه لا صوت يعلو فوق صوت الوطن ، فأين نحن من ذلك؟! وأين الأمة العربية من هذه السياسات الدولية والرؤى التي تحكم العلاقات الدولية؟! وهل لم يعد لدى العرب رصيد نفطي أو ثروات ليفرضوا كلمتهم على العالم؟!
يقولون: إن الدول العربية جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، ويقولون: بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدانٍ، ومن نجدٍ إلى يمنٍ إلى مصر فتطوان، فلا حد يباعدنا ولا دين يفرقنا، لسان الضاد يجمعنا بغسان وعدنان….. ، يقولون وليتهم صدقوا، ولكنَا نبات فنصبح على قطيعة بين مصر والسودان، حتى إذا توارت هذه القطيعة إلى الظل ظهرت قطيعة غيرها بين مصر وليبيا، وهذه قطيعة أخرى بين الامارات وفلسطين، وقد وصل الأمر في فن القطيعة إلى أبعد من القطيعة نفسها؛ حيث اجتمع الأخوة الأشقاء على شقيقتهم وحاصروها بسبب الاختلاف في المنهج والقضايا التي ربما تُحل على مائدة الحوار البناء الهادف إلى حلٍ فعلي يُميت كل أسباب الخلاف ويؤصل لعلاقات أخوة قوية الركائز عميقة الضمانات.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل بالفعل ما زالت بلاد العرب أوطاني في ظل هذا التشتت وفي ظل هذه القطيعة المفروضة من أدناها إلى أقصاها؟!
أما آن للأمة أن تتعظ من وحدة غيرها وتضامنهم وحرصهم على لم شملهم؟! أما آن لنا أن نمسي ونصبح على قلب أمة واحدة؟! نرى تكالب الأعداء من حولنا يريدون النيل منا ولا نهتم، والبديهي أننا سنؤكل واحدًا تلو الآخر؛ لأن الأعواد المتفرقة من السهل كسرها، والحزمة بأكملها وترابط أعوادها من الصعب النيل منها ومن وحدة أعوادها أو تفتيت تضامنهم. نشأ الاتحاد الأوروبي في بداية تسعينات القرن الماضي بناءً على معاهدة ماستريخت ليجمع سبعًا وعشرين دولة أوروبية تحت راية واحدة ومصير واحد، ومن قبلها ، وفي ثلاثينات القرن الماضي، نشأ اتحاد الكومنولث ليضم بين جناحيه اثنين وخمسين دولة، والأمثلة غيرها كثيرة، والأمة العربية اثنان وعشرون دولة وما زالت كل دولة فيها تبحث عن السيادة الفردية والقيادة الشرفية، ترى كل دولة بأنها الأعلى شأنًا والأجدر بالقيادة والأحق بالسيادة، ولا تعي بأن الأمة جسد واحد وبأن مصيرها مصير واحد وبأن دينها دين الإسلام حث على الوحدة والتآخي والتضامن، قال تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا} آل عمران، الآية: 103.
إن الأمة العربية يجب أن تنهض وتنزع عن نفسها رداء الخزي والقطيعة وترتدي لباس الوحدة والعزة والسؤدد، ويجب عليها أن تفوت الفرصة على القابعين من حولها ينتظرون هلاكها، وعليها استثمار مواردها وأدوات قوتها وعناصر تحكمها وتمكينها لفرض كلمتها، وعلى كل الدول العربية أن تؤصل لفكرة الوحدة العربية الفعلية وجمع الشمل العربي بمصداقية، وأن تدع خلافاتها جانبًا؛ لأن هناك قضايا مصيرية أعم وأهم، ولا وقت إلا لما يهم أمر الأمة العربية وإثبات وجودها والحفاظ على كيانها بكل السبل وتحت وطأة كل الظروف.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.