صفاء العجماوي تكتب أبيدوس


 

أبيدوس
صفاءحسينالعجماوي
تمثال رخامي شاخص البصر جلست على مقعدها قبالة النافذة، لا تأتي بحركة، حتى تظن أن رئتيها تخشى أن تلتقط أنفاسها بشكل ملحوظ. هذا المظهر الجامد تظنه سكون ولكن تحته كانت تتآكل من فرط قلقها وغيظها وضيقها. لقد أحتشد بعقلها الكثير من الأفكار القاسية التي تشن حربًا ضروسًا على قلبها. ها هو ذا مر أسبوع منذ وعدك بأن يهاتفك، ولم يتصل، ولم يعتذر بأي وسيلة، لقد أسرفتي في الأمل وظننتي بنفسك مكانة ليست موجودة، وأعطيتي لنفسك قدرات خرافية دون داعِ، لقد ظننتي بأنكِ استطعتِ أخراجه من عزلته، وها هو ذا يلقنك درسًا قاسيًا، ليعلمك أنك غير ذات أهمية، ولا داعي لتطفلك على حياته، لتتركيه يحىَّ كما يحب.
رد قلبها بوهن فشل في كونه حجة: ربما انشغل في شيء ما، أو حدث ما سبب ضيقه.
ثم هتف بوجد: أسأل الله ألا يكون أصابه مكروه.
رد عقلها بضيق وسأم: لم يصبه شيء، بالله عليك لتكن على قدر من التعقل أو الإنضباط. أنه ببساطة يضمن بقائك مهما فعل، لا يهتم بتعبك أو قلقك وانتظارك على قارعة طرقاته منتظرًا عودته من عزلته الاختيارية. لا يهتم لمقارعتي لك، ودفاعك عنه، حتى الدموع التي تذرف كل ليلة لا يرف له جفن. كونك صبور وحمول ومحتوى أهدر كرامتك، ألا تفهم أنك مجرد متطفل لا يرغب به، فلنرحل ململمين أشلاء كرامتنا التي بعثرت تحت قدميه.
صرخ القلب بلوعة: أنك تكيل ليَّ الاتهامات دون أن تترك لي فرصة للدفاع عن نفسي لا عنه.
قاطعه العقل بنزق: ألم تفهم بعد أن الرجل لا يهتم بقلب محب صبور متسامح محتوى، فقد وجده في أمه، فما جدوى وجودك . لنغادر بصمت يا عزيزي.
أطرق القلب داميًا للحظة، ثم قال برجاء: أجل سنختفي من حياته إلى الأبد كما أخترت، ولكن دعني أهاتفه حتى لا تكون ظالمًا مثل كل مرة تحرضني عليه، فلربما جد جديد لا نعلمه، وأن كنت محقًا سنمشي دون أن انبث بحرف.
رد العقل بضجر: ليكن ما تشاء، وأن كنت أثق في حكمي. سأتركك تحادثه، وليكن بعلمك سأراقبك، لأتدخل عند الحاجة.
مدت يدها ببطء لا يتناسب مع النيران المشتعلة بداخلها. بحثت عن رقمه وطلبته، استمعت للرنين، ثم أشتعل عقلها صارخًا: أغلقي الآن، كم كنت أحمق عندما سمحت لكِ بالإتصال. أنكِ تهدرين كرامتك يا حمقاء.
تحرك بنانها لغلق الاتصال، فإذا به يجيبها سألًا بصوت صدأ من قلة الاستخدام، ولكنه محمل بفرحة النجاة: كيف حالك؟
ردت بجمود: بخير، ولكن كيف حالك أنت؟
أجاب بوجع: هذه أول مرة لا تعرفين حالتي من صوتي.
أجابت بنفس الجمود، وأن شابه بعض اللين: يبدو أنك متعب، هل جد جديد؟
رد باهتمام: أعرف أنك غاضبة مني لأني لم أحادثك كما وعدتك، ظاهريًا ليس لي عذر، فقد شغلت ليومين بأطنان من العمل المتأخر، ثم وجدتني أخلفت وعدي، فأثرت الصمت حتى لا أغضبك.
ردت عليه بنبرة خطيرة: والآن ألا ترى أني غاضبة؟ بل أشد غضب مما كنت ستواجه وقتها أن ظننت أني سأغضب. أن حادثتني وقتها لم أكن سأغضب على الأطلاق.
ألتقطت نفس عميق، زفرته بقوة؛ ثم أكملت: أنك تعتمد علىَّ في أن أكون البادئة في كل الأمور. أنك تنتظرني دائمًا، لتأتي برد فعل. لقد مللت هذا حقًا. أن هذا الوضع سقيم ولا منطقي. لقد تعبت، ولم يعد باستطاعتي الأتيان بأي فعل، بل حتى الصبر على هذا الوضع يؤلمني.
جاء اللحظة التي يمتص فيه غضبها بحكمة، فقال بحذر خشية أثارة ما لا يحب مواجهته: أنتِ محقة، ولا لوم عليكِ. أنا مخطئ، ولكني أتصرف بحرص خوفة أغضابك أو أرعاجك.
ظلت صامتة وأن هدأت أنفاسها، فوجدها أشارة مشجعة، فأكمل بحذر ولكن بشجاعة أكثر: هل أطمع في غفرانك؟ سأفعل أي شيء يرضيكِ.
كانت لهذه الجملة مفعول السحر، وهو يعلم ذلك، لقد نسيت غضبها منه، أنه يريد أرضائها، إذن لترضى، ولكن عقلها كان لا يزال يرفض الازعان بسهولة، فسألته بحذر: هل ستفعل أي شيء لأجلي؟
هتف بلهفة: نعم بالتأكيد.
ضحكت برقة سرقت لبه؛ رقص لها قلبه، ثم اتبعتها بطلبها بدلال: أذن لتأخذني في رحلة مميزة كتلك التي أخذتك فيها.
ضحك بخفة؛ ثم قال بقلق: تعلمين أني لا أجيد الوصف مثلك. سأكون مرشد سيء للغاية.
ردت برقة: وليكن، أنت أجبتني لأي طلب، فلتختر مكان مميز يليق بي.
ثم ضحكت بوداعة. يجب أن يجيبها لمطلبها، سيفعل أي شيء حتى تظل بجانبه.
هتف بحماس: وجدتها أنه مكان مميز خارج خريطة السياحة، ولكنه يستمد أهميته من عصور ما قبل التاريخ.
انتقل إليها حماسه، وسألته بلهفة: إلى أين ستأخذني.
أجابها بهمة: إلى أبيدوس، مركز الحج القديم في مصر منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى نهاية الدولة الحديثة. لتستعدي سنذهب إلى هناك في هيئة حمامتين، أم تركِ تميلين إلى الهدهد؟
ضحكت بسعادة: بل الحمام. أنا مستعدة.
ضحكت وبدأ الرحلة: أننا الآن في محافظة سوهاج، في الجنوب حيث مركز البليا غرب النيل، حيث عاصمة الأقليم الثامن من أقاليم مصر العليا في مدينة آيجو الشهيرة بأبيدوس. أخذت تلك المدينة أهميتها لأنها طبقًا لأسطورة أوزير وأيزة المعروفة بأسطورة أيزيس وأوزوريس، فأن رأس أوزير دفنت هنا، لذلك شيدت المقبرة الرمزية له المعروفة بالأوزوريون، سأخذك إلى هناك، ولكن لنمر على أهم معالم أبيدوس.
أنظري هنا مقابر أم القعاب الشهيرة التي دفن بها ملوك مصر في العصر العتيق، ستجدين هنا مقابر تبدأ بأقدم ملوك عصر التوحيد نعرمر وتنتهي بمقبرة الملك خع سخم وي الذي سبق الملك زوسر صاحب الهرم المدرج، أترين تلك المقبرة الكبيرة، أنها أكبرها وتعود للملك دن أحد ملوك الأسرة الأولى.
أترين هذا البناء المشيد من الطوب اللبن لنستريح على سطحه، أنه يعرف بمبنى سيتي، والذي يعود لعصر الأسرة الثانية، ولكنه لا يعرف له وظيفة حتى الآن، أما هذا المكان فيعرف بشونة الزبيب.
سألها بلهفة: هل تريدين أن ترى المكان الذي وجد فيه بتري تمثال خوفو؟
ردت بحماس: أجل بالطبع.
فقال بسعادة: أنه هنا في كوم السلطان أنه صنع من العاج بطول سبع سنتيمترات يعود للعصر الصاوي الأسرة السادسة والعشرون، ويرجح أن يكون تمثال نذري حيث عبد خوفو في هذا العصر.
سألته باهتمام: ألا يوجد معابد هنا؟
أجابها بحماس: بالطبع يوجد هنا ثلاث معابد، الأول معبد رمسيس الأول الذي شيده ولده سيتي الأول، ولكنه مهدم بشكل كبير. وهذا معبد رمسيس الثاني الذي شيده لنفسه ولكنه مهمل وفي حالة سيئة من الحفظ، أما هذا المعبد الجميل الفخم هو معبد سيتي الأول الذي بدأه بنفسه، وأكمل أجزاءه منه ولده رمسيس الثاني، وأتم بناؤه حفيده مرنبتاح، وهو في حالة ممتازة من الحفظ، أن به أهم المناظر الخدمة اليومية بالمعبد، كما به أكبر عدد مناظر للمعبودات المصرية القديمة بهيئاتها. هيا سأريكِ مقاصير العبادة، هنا يوجد سبع مقاصير لأوزير وأيزة وحور وآمون ورع حور آخت و بتاح. وطبعا لسيتي الأول.
أتعلمين أن هنا أجمل قائمة ملوك، بدأت من عصور ما قبل الأسرات وحتى سيتي الأول. هيا لتريها.
ما رأيك، أليست رائعة؟
أجابته بسعادة: أنها تحفة نادرة.
ثم سألها مشاكسًا: هل تعلمين أن تلك القائمة كانت سببًا في انتشار معلومة خاطئة؟
سألته باهتمام ولهفة: أي معلومة تلك؟
أجابها شارحًا بثقة: أن موحد قطري مصر هو مينا. أن هذه القائمة تذكر الملوك في عصر ما قبل الأسرات بلقب ميني بمعنى عظيم، ولم تذكر أسمائهم، ومن هنا ظهر اسم مينا.
كان يشعر بسعادتها ، واستمتاعها، فأكمل: أتعرفين لمَّ هذا المعبد في حالة جيدة من الحفظ؟
أجابته بحيرة: لا أدري.
فرد بنبرة العالم ببواطن الأمور: لأنه ملاصق للأوزوريون، وهو المبنى الضخم الذي يقع خلفه، والذي كان يرمم بشكل دوري، كما أن الطقوس كانت تتم داخل المعبد هنا.
سألته بلهفة: ألن تريني الأوزوريون؟
ضحك من سوداء قلبه؛ وأجابها بخفة: بالتأكيد هيا بنا الآن.
أن أسوار الأوزوريون تنسب إلى رمسيس الثاني وولده مرنبتاح، وقد نقش عليه مناظر من كتاب ديني وا حيث مشاهد البعث والأحياء؛ أما المبنى فينخفض سبعة عشر مترًا عن أرضية معبد سيتي الأول، هنا في الأسفل هل تشاهدين القاعة ذات الأعمدة الجراتينية السميكة؟، وما أستقر في منتصفها. أنه مصطبة تشبه التابوت الحجري، وهي تعبر عن الدفنة الرمزية لأوزير، أتعلمين ما سر أنخفاض الأوزوريون؟
رد بعجب: كلا
فقال هامسًا: لأنه مرتبط بقناة سفلية، تصله بالنيل، وعند الفيضان يندفع الماء ليحيط بالتابوت، ويرجع ذلك كون أوزير رب الزراعة إلى جانب كونه سيد العالم الأخر.
سألته معاتبة: لم تخبرني بمن شيد الأوزوريون؟
ضحك معتذرًا؛ ثم أجاب: لا يوجد نص صريح يشير لمن شيده، ولكن نظرًا لتشابه قاعة الأعمدة مع معبد الوادي الخاص بالمجموعة الهرمية للملك خع أف رع الشهير بخفرع، من حيث مواد البناء والشكل والطراز، فهو ينسب إليه.
أنهى كلامه، ثم صمت لا يدري ماذا يقول لبرهة؛ ثم سألها متخوفًا: هل أعجبتك الرحلة؟ أعلم أني مرشد سيء و
قاطعته ضاحكة بمرح؛ ثم قالت: أنها رحلة رائعة للغاية كم أحببت المكان.
تنفس الصعداء؛ ثم ضحك بشدة سعيدًا، لقد راضاها وأسعدها. يا له من رائع. كانت تستمع لضحكته، فتبتسم بسعادة.
قطع ضحكته، وسألها بلؤم: بما أنك سعيدة، هل لي بطلب؟
ردت بضحكة خفيفة، فأردف: ستأخذينني في رحلة خاصة، ما رأيك؟
سألته بتحفز: ليكن، ولكن متى؟
رد بحذر: لا يمكنني أن أعدك بموعد الآن، ولكنه سيكون في القريب.
ردت بخفة: ليكن، ولكن لا تتأخر، فستصبح وقتها أنت المرشد.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.