محمد جراحي يكتب سعيد عبد الرازق


سعيد عبد الرزاق

 

في تمام الساعه السابعة مساءً، يسير الأستاذ سعيد عبد الرزاق عائدا من عمله متخذا طريقا ترابيا ضيقا يربط بين المدينة الصغيرة التي يعمل بها و بين قريته التي يعيش فيها، و الذي يستغرق منه ساعة كاملة كل يوم، بالرغم من وجود طريق آخر مباشر يصل به إلي بيته في أقل من ثلث الساعة. لكنه كعادته لم يغير طريقه هذا أبدا!
اشتري الاستاذ سعيد في ذلك اليوم عودا من قصب السكر يتناوله اثناء سيره المعتاد الي بيته، كان يقضم كل قطعة من القصب بمنتهي الشراهة و يمتص ما فيها من سكر بلذة تصعد من جوفه علي وجنتيه فتجعلها حمراء كلون نيران المجوس، لذة تنسيه وقع أقدامه فوق الطريق الموحش المملوء بالحفر الصغيرة و الشجيرات اليابسه المقطوعه علي جانبيه. كان استمتاعه بكل قطعة يمتصها و يلوكها في فمه كما يلوك الجمل طعامه ينسيه هبوط الليل علي الطريق الذي يخل من اي ضوء سوي ضوء القمر، و نشوته بما ينزل جوفه من ماء القصب السكري طغت علي سمعه فلا يسمع نعيق الغرابيب علي الشجر و لا نقيق الضفادع علي جانبي الطريق. و لكن كل خوفه و قلقه ألا يستطيع أن ينهي عود القصب هذا قبل أن يصل لبيته حيث ينتظره أولاده السبعة في شوق محموم حتي يستطيعون تناول طعام العشاء الذي اعدته والدتهم. فقد بلغ بهم الجوع حد التلوي و لولا أنهم في سن الفتوة لأجهشوا بالبكاء و ممنوع علي أي فرد في الاسرة ان يتناول كسرة من خبز دون تواجد أبيهم، لا لإظهار الاحترام والتقدير و لكن ببساطة لأنه يغلق علي الطعام المغاليق و لا يراه أهل البيت إلا حينما يكون الاستاذ سعيد متواجداً بينهم.
و كعادته أنهي الاستاذ سعيد عود القصب بمنتهي السهولة قبل أن يصل الي أول شعاع نور يخرج من بيوت قريته، فتوقف كالعادة عند طلمبة ماء علي حافة أرض زراعية تحت شجرة التوت العتيقه العاقر، فغسل يديه و وجهه و مسح فوق فمه حتي تزول اثار ما تناول. ثم أكمل سيره حتي وصل بيته و تناول العشاء مع أولاده و زوجته. و لم يخل العشاء من بعض التوبيخ لأبنائه الثلاثه و بناته الأربع بسبب نهمهم و سرعة مضغهم للطعام. فلما قالت له زوجته معذرة لهم فإنهم جوعي، فلم ينزل جوفهم شيء منذ تناول الافطار فقد نسيت اليوم أن تترك دولاب وجبة الغداء مفتوحا، فإذا به يتغير وجهه و يغضب و يقول بها انه لا ينسي أي شيء و ان ذلك كان مقصودا لأنهم تناولوا اللحم علي الغداء اليوم الذي سبق، فاليوم لا غداء اذن لأن معدتهم لم تكن هضمت اللحم بعد، ثم انهم الان يتناولون الطعام بسرعه، وهو لا يستطيع مجاراتهم فكل لقمة منه يسبقها أربع لقيمات من كل واحد منهم، أي أن النسبه تكون واحد إلي ثمانية و عشرين. هل تريديهم أن يشبعوا هم و اجوع انا ، أم أنهم يريدون أن يأكلوا كل هذا الطعام الان و لا يتركوا منه شيئا لإفطار الغد! ثم قام من مجلسه و هو يحاول انتزاع الخبز من أيدي أولاده الذين استماتوا عليه و بدأوا في اختطافه قبل أن يرفعه أبوهم من المائدة.
بعد قليل دخل الاولاد الي حجرتهم و البنات الي حجرتهن و اطفأ الاستاذ سعيد كل مصادر الضوء في المنزل حتي صار كالقبر في ظلمته، و دخل الي حجرة نومه المنفصله عن حجرة نوم زوجته، و أغلق الباب بمنتهي الرفق و الهدوء ثم أغلق الترباس الحديدي من الداخل و قام باشعال فتيل مصباح الجاز و وضع فوقه الزجاجه فأنارت الحجرة قليلا فاستطاع ان يري كفه و اطرافه. جلس علي طرف السرير ياخذ شهيقا ثم يخرج زفيرا كأنه يقوم بتمرين رياضي للتنفس، و فجأة مد يده من بين ساقيه لتمتد تحت السرير و يخرجها و قد امسك بحقيبة من ورق أصفر سميك فوهتها مغلقة باحكام. رفع الاستاذ سعيد الحقيبه بمنتهي الحب و فتحها ثم أخرج منها ثمرة جوافـة ناضجة رائحتها زكية و شكلها مشبع جدا، نظر إليها نظرة اشتياق و اعجاب ثم بدأ في أكلها و مع كل قضمة كان يعيد النظر إليها بمنتهي الإرتياح و المحبة. انهي الاستاذ سعيد كل محتويات الحقيبة الورقية ثم قام بطيها الي مربعات صغيرة حتي اصبحت في حجم نصف كف يده، فقام و دسها تحت بين مرتبة السرير و ألواحه الخشبيه و عندما رفع المرتبة القطنية قليلا تبسم نصف بسمة و لكنها مليئة بالإعجاب فقد غطت الحقائب الورقية أكثر من نصف مساحة ألواح السرير تحت المرتبه، و عندما قام بعدها فوجدها ستين حقيبة ورقية مطوية علي شكل مربعات بحجم نصف كفه و لكنه كان يبتسم لان كل حقيبة من الستين كانت تفوح منها رائحة طعام أو فاكهة مختلفة عن الاخري بلا اي تكرار بينها!
كانت حياة الاستاذ سعيد تسير علي هذه الوتيرة و بهذا النسق الهادئ، يعود من عمله كل يوم فى نفس الساعة تناول ما لذ له و طاب حتي يصل لبيته، يتوقف عند طلمبة الماء فيغسل أثر ما أكل حتي لا يعلم أحد من أولاده شيء مما يفعل، ثم يعود لبيته فيجعل من كل ليلة، شوكا في مضاجع ابنائه و زوجته بما يقول و يفعل، ثم يدخل حجرته و يختلي بنفسه و يبدأ في تناول ما منع عنه اولاده و ما خبأه منهم. إلي اليوم الذي لم يكن في حسبانه، فقد مرضت احدي بناته و ساءت حالتها جدا بسبب سوء التغذيه و مع ذلك لم يرض أبدا أن يستدعي لها طبيب او ان يأخذها للمستشفي، فلما جعلت حالتها تسوء و تنتقل من سيئ إلي أسوأ و مع إلحاح زوجته عليه وافق أن يستدعي لها طبيب ليراهاو لكن بشرط أن يأخذ قرط أذن زوجته الذهب مقابل ما سيدفع من اجرة الطبيب و ثمن العلاج الذي سيصفه. خلعت له الزوجة قرطيها و اعطتهما له. و لما جاء الطبيب كان قد جاء متأخرا، و قال لهم إن الفتاة في عداد الموتي إن لم يكن الليلة فغداً، فادعوا لها بألا يطيل الله عليها تألمها و انها قد تفيق و تطلب شيئاً من طعام او شراب فلبوا لها طلبها فقد تكون فوقة ما قبل الموت.
سيطر السكوت و الذهول علي الاستاذ سعيد لدرجة أنه لم يسمع ما كالته له زوجته من سباب و صب لعنات و إتهامها له بقتل ابنتها ببخله و عدم اهتمامه بهم. كان ينظر الي ابنته التي ينتزعها الموت من امامه بمنتهي البطء و لا يستطيع حتي أن يبكي، فقد تجمدت كل أعضاء جسمه و ظل جالسا بجوار سريرها حتي بزغ فجر اليوم التالي فقام و استعد للخروج للعمل كعادته.
و بينما هو في عمله اتصلت زوجته من بيت جارتها بتليفون عمله و قالت له ان ابنته قد أفاقت و تحدثت معها و سألت عنه و طلبت ان تأكل ثمرة من المانجو، فأسرع باحضار ذلك لها.
خرج الاستاذ سعيد من العمل و ذهب الي سوق المدينة و اشتري حقيبة من ورق أصفر سميك و ذهب الي الفكهاني و طلب ثمرة مانجو ناضجة و كبيرة الحجم لابنته المريضه و حكي للفكهاني قصة مرضها فقام الفكهاني باختيار ثمرة في منتهي الجمال و النضج فلما وقعت في عيني الاستاذ سعيد طلب ثمرة اخري فأعطاه الفكهاني مثلها. وضع الاستاذ سعيد الثمرتين في الحقيبة الورقية و اسرع في مشيته متجها الي الطريق المختصر بين المدينة و بين قريته و بينما هو سائر خرجت رائحة المانجو الزكية من الحقيبة الورقية الذي لم يكن أحكم اغلاقها فوقعت في قلبه قبل انفه فإذا بقدميه تحيد عن الطريق المختصر و تذهب به إلي الطريق الترابي الضيق الطويل الموحش يسير عليه وحده يفتح الحقيبة و تمتد يده إلي ثمرة المانجو و يخرجها فيقربها من أنفه و يبدأ في شمها بمنتهي القوه و ينظر إلي لون جلدها الأصفر المشرب بحمرة نظرات حب محمومة ثم شرع في تناولها بنهم و لذة و بمنتهي البطء كعادته و سار هكذا حتي وصل الي طلمبة الماء، فوضع الحقيبة الورقيه علي بعد متر حتي لا تبتل ، فغسل يديه و فمه جيدا لكي لا تفوح منهما رائحة المانجو ثم اكمل السير الي بيته و عندما وصل الي اول شعاع ضوء يظهر من بيوت قريته سمع نواحا و صراخا شديدان ميز فيه صوت زوجته، فعلم أن ابنته قد فارقت الحياة. فعاد الي الطريق الذي اتي منه و جلس بجوار طلمبة الماء أخرج ثمرة المانجو الاخري من الكيس و أكلها بمنتهي السرعة و بنهم شديد ثم طوي الحقيبة الورقيه الي مربعات صغيرة بحجم نصف كفه و وضعها في جيبه، و قام فغسل فمه و يديه و توجه الي بيته مرة أخري و هو يبكي كطفل صغير فقد ثمرة فاكهته المحببه.

#Garrahi

2 Comments

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.